#adsense

سلام والعقلانية

حجم الخط

بكثير من الهدوء والروية والاتزان، باشر تمام سلام مهماته رئيساً مكلفاً تشكيل حكومة لبنان الجديدة، فهو لم يدّع أنه يحمل عصاً سحرية، ولم يحمّل نفسه أوزاراً مبالغاً فيها لناحية مهمة الحكومة كما يراها، فقد حددها بإجراء الانتخابات، مما جعل امكان النفاذ الى حكومة سياسية موسعة كتلك التي تنادي بها قوى 8 آذار أمراً صعب المنال، ولا سيما ان فكرة الحكومة السياسية معناها إعادة انتاج حكومة كتلك التي رأسها سعد الحريري وأسقطها “حزب الله” وبشار في كانون الثاني 2011، وكانت سميت قبلها حكومة التعطيل بين القوى السياسية المتناقضة. ولعل مطلب “حزب الله” وحلفائه الداعي الى ما يسمى “حكومة وحدة وطنية” مرده الى خوف الحزب المذكور من ان تنتهي المناورات السياسية الى إسقاط ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” التي يعتبرها أساساً لتشريع سلاحه، في حين ان “اعلان بعبدا” الذي وقّعه الحزب يقطع تماماً مع “الثلاثية المذكورة” ويدفع نحو معادلة جديدة تنهي معادلة فرضت بقوة السلاح.

في مطلق الاحوال، أبدى “حزب الله” مرونة لفظية لافتة، يبقى ان تتأكد بالأفعال. فالمرحلة جديدة، والزمن تغيّر، وما كان يصح في كانون الثاني 2011 ما عاد يصح في نيسان 2013. وحكومة نجيب ميقاتي هي آخر حكومة يسيطر عليها الثنائي “حزب الله” – بشار، ومن الآن سيتعيّن على الحزب ان يدرك حدود قوته المسلحة في بلد مثل لبنان وصل الى حافة الانفجار في عهد الحكومة السابقة. أكثر من ذلك، لا بد من الاشارة الى ان احد راعيي حكومة ميقاتي، أي بشار الأسد، انتهى في لبنان. إن تمام سلام السلس واللبق ليس ميقاتي الذي بالغ في نكث العهود، وتوزيع الوعود المستحيلة، وتغطية النواقص بالكلام المعسول. اما سلام فبمقدار ما يحافظ على شجاعة من دون تهور، ولين من دون تراخ، فإنه سيبقى محافظاً على احترام الناس: الخصوم قبل الحلفاء.

لقد أتى تمام سلام رئيساً مكلفاً تشكيل الحكومة في سياق فكرة مفادها ألا يشعر أي فريق بتحدّ، فهو الى كونه في الاساس حليفاً مستقلاً لقوى 14 آذار، ومن صلب الحركة الاستقلالية اللبنانية، فإنه بإرثه الكبير ومساره المعتدل يصلح لمرحلة دقيقة حيث التحولات كبيرة جداً في المنطقة، وخصوصاً في سوريا. ومن هنا لا بد من مساعدته على تشكيل حكومة محترمة على صورته، من غير المرشحين للانتخابات، تكون حيادية بمقدار ما يمكن ان يكونه المرء في لبنان، بحيث يشعر اللبنانيون بأن كل الحكومة حكومتهم.

ان اللبنانيين في حاجة الى التقاط انفاسهم، وملاقاة التغيير الكبير في سوريا الآتي سريعاً بعقلانية، ويمكن حكومة سلام العتيدة ان تكون عاملاً أساسياً يسهم في ترجيح العقلانية التي نتحدث عنها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل