بتكتيكٍ ذكي من الرئيس نبيه برّي استلحقت قوى “8 آذار” نفسها، فسارعت الى تسمية تمام السلام، الرئيس المُكلّف “سلفاً” بغالبية قوى “14 آذار” – جنبلاط.
لو احجمت قوى “8 آذار” عن تسمية تمام سلام، لما بدّلت في معادلة التكليف شيئاً، لكن إحراج الرئيس سلام بالتكليف، تمهيداً لإخراجه من التأليف، هو الغاية المُضمرة من هذه المناورة.
تعويم الرئيس المكلّف بالإجماع، قبل إغراق تشكيلته الوزراية بالشروط والتفاصيل والتمنين، يبقى، بالنسبة لقوى “8 آذار”، اجدى من السباحة عكس تيار التكليف، والغرق لاحقاً في قعر البيان الوزاري والتأليف.
تكتيك التكليف المُفخخ ما هو سوى المصيدة التي ارادت قوى “8 آذار” استدراج الرئيس المكلف والبلاد اليها، من اجل تفريغ المؤسسات من مضمونها، والدوران في حلقةٍ مفرغةٍ بانتظار اللحظة المؤاتية لإنقضاض استراتيجية “القمصان السود” مجدداً على لبنان “الفريسة”!! وحده النائب سليمان فرنجية بقي منسجماً مع الأجندة الخفيّة لقوى “8 آذار”، ونواياها المبيّتة.
بموازاة هذه المناورة، دخانٌ كثيف وحديثٌ كثير في وسائل إعلام قوى “8 آذار” حول صفقةٍ دولية – اقليمية في طور النُضوج. حملاتٌ دعائية مشابهة اعتدنا سماعها كلمّا كانت شخصيةٌ من شخصيات قوى “14 آذار” في طور الإستهداف!
من عادات “محور الشرّ” الأصيلة، التفاوض تحت النار: اعطونا ثلثاً مُعطّلاً لعمل السلطات الشرعية زائد بيان وزاري مُعطّل للمؤسسات الشرعية، وخذوا قسطكم من السلامة الجسدية… وإلاّ فالراحة الأبدية!
عند تغيير الحكومات والبيانات الوزارية، وعند استحقاقات المحكمة الدولية، إحفظوا رؤوسكم!
التيار العوني الذي اعتاد بدوره، المزايدة والغوغائية والتحريض ضد اطراف “14 آذار”، سيجد نفسه، مع تسمية تمام سلام، في مأزقٍ عقيم. الرئيس المكلّف لم يتنعّم بمغانم سلطة الإحتلال حتى تتهمّه الدعاية العونية باستغلال هذا الواقع لتدعيم موقعه السياسي ثم الإنقلاب على الإحتلال لاحقاً، وهو تضامن مع المسيحيين في مقاطعتهم انتخابات الـ 1992، ولم يُهمشّهم، حتى تتهمّه العونية بالسلفية أو باحتكار التمثيل المسيحي، وهو سليل عائلةٍ بيروتيةٍ استقلاليةٍ عريقة، والده كان الزعيم اللبناني الأول الذي يتعرّض للنفي قبل هرب العماد عون ولجوئه الى السفارة الفرنسية بسنواتٍ، فلا مجال للمزايدة العونية إذاً.
بتاريخ 16 تشرين الثاني 2011 اوردت جريدة السفير مقابلةً للعماد ميشال عون يستنجد فيها بالعاهل السعودي الملك عبدالله لإنقاذ نظام بشّار الأسد. أن يستجدي العماد عون تدخلاً سعودياً لتعويم “نظام السجون والقبور” في سوريا مسألةٌ فيها نظر، امّا ان يكتفي الدكتور سمير جعجع بسرد وقائع تاريخية تُظهر وقوف المملكة الى جانب الرئيسين كميل شمعون وبشير الجميّل، فقضيةٌ لا تُغتفر!!
إعادة التصويب على المملكة العربية السعودية من قبل دعاية التيار العوني، في هذا التوقيت بالذات، يُثبت ان حديث “8 آذار” المتواصل عن صفقةٍ إقليمية-دولية يهدف الى التعمية عمّا “تطبخه” هذه القوى لمسألة التأليف.
في إحدى وثائق ويكيليكس المنشورة في جريدة “الجمهورية” بتاريخ 18 ايار 2011 يكشف اصدقاء العماد عون، ومنهم الدكتور نبيل الطويل والسيد نزار زكّا أن “العماد عون فاسِد والأموال الإيرانية والسورية وجِهات مجهولة تتحكم بـ التيّار“.
وزد ان حروب حلفاء التيار بدورها، بدءاً بحرب تموز 2006 وصولاً الى 7 ايار 2008، والتي جندّت دول العالم أجمع لوقف موجة الدمار والجنون والهستيريا التي عصفت بلبنان.
“لعيون صهر الجنرال ما في حكومة”، هذا الموقف اطلقه العماد عون بتاريخ 17 آب 2009. من اعاق تشكيل حكومة لبنان لمصالح شخصية ضيقة، كيف له اليوم ان يُسهّل مهمّة التأليف، بعدما اُضيف الى هذه المصالح الضيقة، مصالح واجندات إقليميةٍ اوسع واشمل؟!
قوى “8 آذار” لا تُقدّم هدايا في السياسة، حتى ولو كانت “هدايا” تخدم السلم والتهدئة، واستقرار الأوضاع السياسية والإقتصادية في لبنان، لذلك فهي تُصرّ على ان تكون المؤسسات الشرعية كالعربة التي يجرها حصانان بالإتجاه المعاكس.
قوى “14 آذار” عبرّت عن رغبتها صراحةً بعدم المشاركة في هذه الحكومة تأميناً للإستقرار العام، لكن “8 آذار” تريد إشراكها بقوّة الترهيب، والإبتزاز، والترغيب، والإغتيال، من اجل ان يتساوى الطرفان امام الرأي العام في “جرم” الجمود والتعطيل والاستنزاف!!
“ومن الحب ما قتل”!!