وأخيراً اتفق اللبنانيُّون على مختلف مشاربهم على شيء، فسمَّوا رئيس حكومة بشبه إجماع قلَّ نظيرُهُ في المشهد اللبناني. والتوافق على اسم الرئيس المكلَّف لم يأتِ من الخارج، بل جاء بنتيجة إعادة قراءة المتغيرات التي قام بها مختلفُ الأفرقاء اللبنانيين بظلِّ انعدام الوزن العربي وعَدَمِ وضوحِ الرؤية الدولية تجاه المنطقة، فكان ما كان من اتفاق على تمرير المرحلة بأقل ضرر ممكن، في انتظار التطورات الآتية بفعل المفاوضات الأميركية-الإيرانية من جهة وبفعل التطورات الميدانية في سوريا والسياسية في مصر من جهة ثانية. حزبُ الله فضَّلَ فكَّ الاشتباكِ الداخلي، ولحقَ بهِ مَن لحق، و14 آذار فضَّلَت تسميةَ رئيس حكومة معتدل من صفوفها يُرضي جنبلاط الفارض شروطَهُ على أكثريَّتين مُعَطَّلَتين بفعل توازنهما.
يبقى الآن أن يستمرَّ الوعيُ مُسَيطراً فتعمدَ الأطرافُ كلُّها الى تسهيل مهمة رئيس الحكومة المكلَّف بحيث تكون ولادة الحكومة سهلةً وسريعة. فالمطلوب أن يبادرَ المَعنِيُّون بالموضوع الحكومي الى ترجمة التأييد الكبير الذي حصل عليه تمام سلام بإطلاق يديه في تأليف حكومةٍ متوازنة تُمَثِّلُ الاتجاهات السياسية الأساسية في البلاد وتضمُ غيرَ المرشحين وتحضِّر للانتخابات عبر وضع قانونٍ يُرضي الغالبية ولا يشكل استفزازاً لأي فريق، مُراعياً صحة التمثيل والتطور الحاصل في المجتمع وفي الحياة السياسية، ومن ثم تُجري الإنتخابات في جَوٍّ من الديموقراطية والحرية والأمان.
الحكمة تفرض على اللبنانيين أن يستفيدوا من هذا الوقت الضائع إقليمياً ودولياً، ليتفقوا على تركيبة حكومية ثم على قانون انتخابات يُعيد تكوينَ السلطة في لبنان، تحضيراً لبناء دولة القانون. أما المواضيع الخلافية فليست من مهمات هذه الحكومة والا حَكَمَتْ على نفسها بالفشل.
إن اللبنانيين ينتظرون من حكومة تمام سلام أن تكون كما حددها رئيسها، حكومةَ انتخابات، فتُنجِز ما هو مطلوب منها في هذا الظرف، من دون الغرق في مستنقع التجاذب والتكاذب اللبناني، ومن دون الضياع في لعبة المزايدات والمراهنات غير القابلة للتحقيق.