إجماع التكليف مهدّد بتعقيدات التأليف
8 آذار ترفض الحيادية والثلاثة أثلاث
يسود اعتقاد على نطاق سياسي واسع ان الايجابية التي تم تظهيرها عبر الاجماع على تكليف النائب تمام سلام رئاسة الحكومة العتيدة لن تتعداه الى اي خطوة تالية يمكن ان تترجم في احتمال حصول الانتخابات النيابية او تأليف حكومة جديدة. وفيما يعتبر سياسيون ان مقدارا كبيرا من الباطنية، ان لم يكن اكثر، تمارسه الطبقة السياسية لجهة المماحكة حول تفاصيل تتصل بقانون الانتخاب العتيد على رغم ادراك الجميع ان لا انتخابات ممكنة في المرحلة الراهنة، فثمة صعوبة كبيرة تغلب على رأي هؤلاء في شأن تأليف الحكومة. فاذا اخذت الظروف الاقليمية في الاعتبار والتي سادت ابان ولاية الحكومة المستقيلة لجهة الكلام الكثير عن استحالة عزل الوضع اللبناني عن الوضع السوري، فان المسار الذي سلكه لبنان اخيرا نحو حكومة جديدة وتاليا نحو الانتخابات يبدو مستغربا لجهة احتمال تطبيق هذا العزل على رغم وجود رغبة قوية لدى عواصم مؤثرة في ان تحصل الاستحقاقات الدستورية اللبنانية في مواعيدها والا تربط بالوضع السوري الذي قد يستمر سنوات في حين لا يستطيع لبنان الانتظار كل هذه المدة. والبعض رأى في التطورات الاخيرة التي تمثلت في استقالة الحكومة نجاحا في عزل الوضع اللبناني نسبيا في بعض جوانبه عن الوضع في سوريا في الوقت الذي لا يعتقد كثر ان النظام السوري على وهنه يقبل بذلك أو إنه سيترك الامور تسير في هذه الطريق على رغم ان ايران حلت مكانه في ادارة ما كان يتولى هو إدارته، وهو ما سيبرز في المطبات المقبلة.
ولا تبدو الظروف الداخلية اكثر تسهيلا على رغم الظواهر الاخيرة فيغلب الحذر الشديد ازاء امكان تأليف حكومة جديدة. اذ ترجح مصادر سياسية مطلعة من خارج الاصطفاف السياسي القائم ان تكون قوى 8 آذار و” حزب الله” تحديدا ارتكبوا خطأ جسيما في التضييق على الرئيس نجيب ميقاتي ودفعه الى الاستقالة باعتباره خطأ لا يقل جسامة عن الخطأ الذي ارتكب في اطاحة حكومة الرئيس سعد الحريري واستبعاده عن رئاسة الحكومة في الوقت الذي لا احد اقدر من الحريري على الدفاع عن الوضع الداخلي وتأمين الحماية او المشروعية المطلوبة للحزب على المستوى الرسمي بالتزامن مع تسعير الحزب مع هذا الاستبعاد نشوء التيارات المتطرفة وتغذيتها. ويعود هذا الخطأ الى اعتبارات عدة قد يكون ابرزها ان الحزب لن يستطيع ان يحصل من اي رئيس آخر للحكومة او من الحكومة ما حصل عليه من الحكومتين السابقتين وتحديدا من الحكومة المستقيلة. فهو لم يستطع خوض معركة معارضة تسمية النائب تمام سلام لعدم قدرته على مواجهة تسمية الطائفة السنية لمرشحها لرئاسة الحكومة من جهة ولان مواجهة من هذا النوع يمكن ان تفجر فتنة شيعية سنية. الا انه يواجه تحديات كبيرة ايا يكن نوع الحكومة التي يمكن ان يعتمدها سلام. فاذا كان خيار الرئيس المكلف الذهاب الى حكومة تكنوقراط باعتبار انها حكومة للاشراف على الانتخابات، فان الحزب لن يريحه ذلك كونها تعني انها حكومة حيادية اي مماثلة لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وحتى لرئيس الحكومة الذي يقول انه بات رئيسا للجميع في الوقت الذي بات الحزب يعتبر ان رئيس الجمهورية بات اقرب الى 14 آذار فيما رئيس الحكومة خرج من لدن هذه القوى مما يعني انه لن يقبل بحكومة غالبيتها لقوى 14 آذار ويسلم السلطة لمن يعتبرهم خصومه. اضف الى ذلك الاعتقاد بان الحزب وفي ظل الاحراج الكبير الذي يواجهه ان لجهة الشلل الذي اصاب النظام السوري او لجهة التطويق الدولي الذي تواجهه ايران مع سيل من الاتهامات الخارجية التي تطاوله لجهة مسؤولية عناصر منه عن عمليات مصنفة ارهابية فانه سيتشدد في مطالب محددة من الحكومة العتيدة.
وتعتقد المصادر ان حكومة سياسية قد يكون صعب تقبلها من الحزب وفق ثلاثة اثلاث باعتبار ان الثلث الوسطي الحيادي الحاكم او المؤثر اذا صح التعبير والذي يضم الرئيس سليمان والرئيس سلام والنائب جنبلاط بات متهما بانه اقرب الى 14 آذار ومشككاً في حياديته، مما يرسم شكوكا كبيرة حول القبول بحكومة مماثلة كما بحكومة من التكنوقراط.
ولذلك فان المخاوف حول المرحلة المقبلة تتصل في احد وجوهها بصعوبة تأليف الحكومة العتيدة وفق شروط الافرقاء. وتتصل في وجوه اخرى باحتمال تاليف الرئيس سلام حكومة متوازنة ومصغرة، لكن قد لا تمنحها قوى 8 آذار الثقة علما ان موقف النائب وليد جنبلاط يظل مهما في هذه الحال، الامر الذي يفسح المجال امام سيناريوات متداولة حول الخشية من الذهاب الى الفراغ كون هناك افرقاء يفضلونه في هذه الظروف على حكومة لا تناسبهم. والفراغ يمكن ان يتأتى من قبول رئيس الجمهورية حكومة جديدة لا تمنح الثقة في الوقت الذي تفقد الحكومة المستقيلة شرعيتها بحكم المراسيم التي ستصدر في شأنها مع تعيين اخرى ولانه يتعذر على الحكومة الجديدة تصريف الاعمال كون الوزراء بعد اتفاق الطائف لا يبدأون عملهم في وزارتهم الا بعد نيل الثقة، علما ان هناك آراء قانونية مخالفة في هذا الاطار. ولعل هذه الرسائل توجه الى الرئيس المكلف للحذر من الذهاب في هذا الاتجاه والتسبب في فراغ خطير.
فهل تفاجئ معطيات اخرى الاوساط السياسية كما فاجأتهم استقالة الحكومة في وقت كان يجزم الجميع باستحالة حصولها؟