وهذا السلوك “النصروي” من أسبابه أن الصراع في سوريا لم يعد ينحصر بين النظام ومعارضيه في ظلّ انطباع عام يستند إلى مبررات موضوعية وواقعية لدى المعارضة بأجنحتها المدنية والإسلامية بأن لا مستقبل لهذا النظام، وأنّ مسألة الحسم باتت مسألة وقت لا أكثر ولا أقل، الأمر الذي ساهم في جعل وجهة الصراع مزدوجة: إسقاط النظام والحلول مكانه، ما أدى إلى افتراق حسابات جناحي المعارضة ومصالحهما في ظلّ سَعي كلّ طرف منهما إلى حسم هوية النظام السوري الجديد لمصلحته.
ومن مساوئ هذا الصراع بين أجنحة المعارضة أنه يطيل أمَد الحرب مع كل ارتداداتها وسلبياتها الانسانية والاقتصادية والمالية على مستقبل سوريا، ولكن من دون أيّ أوهام من قدرة النظام على الاستفادة من هذه المواجهة الجدية إلّا من زاوية وحيدة تتصِل بتمديد فترة استمراره على جزء من السلطة. ولا حاجة هنا للتذكير بأن الحجم الذي انتزعته الحركات الإسلامية، وفي طليعتها “النصرة”، يعود بشكل أساسي إلى التخلّي الدولي، وتحديداً الأميركي، عن دوره في الدعم والتسليح والتظليل والمساعدة المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن غَرقه في الدعاية التي روّج لها النظام من خلال تضخيمه الحالات الأصولية لغاية تحوّل هذه الدعاية إلى حقيقة بشكل أو بآخر، لأنّ موازين القوى على الأرض ما زالت تميل لمصلحة المعارضة المدنية.
فالمبايعة “النصروية” إذاً تهدف من ضمن ما تهدف إليه إلى إعادة استبدال الضوء الأخضر الدولي بالضوء الأحمر، نظراً لخشيتها من أن يؤدي الجسر الجوي المفتوح إلى حسم المعارضة النتيجة لمصلحتها، خصوصاً أن المساعدات العسكرية لن تستفيد منها “النصرة” وستؤول فقط للمعارضة، فضلاً عن أن الحركات الإسلامية لها قنواتها التسليحية، ومن مصلحتها أن تحافظ على تفوّقها الميداني بعد شعورها بمحاولات تطويقها عسكرياً وديبلوماسياً، وأخيراً حكومياً، لأنّ إحدى وظائف الحكومة الأساسية مَنع الثوار الإسلاميين من الحَوكمة المحلية.
وإذا كان لا يمكن التقليل من أهمية الدور القتالي لـ”النصرة” والانتصارات التي حققتها، غير أن الأخيرة تدرك أو يفترض كذلك أنّ مبايعتها للظواهري تخدم النظام السوري ولَو مؤقتاً، وأنّ المجتمعَين الدولي والعربي لن يسمحا بتحويل سوريا من قريب أو من بعيد إلى قاعدة لـ”القاعدة”، وأن هذا الإعلان يشكّل تحدياً مزدوجاً أمام الغرب والعرب: استحالة استمرار النظام السوري، واستحالة انتصار “النصرة”، وفي ظلّ هاتين الاستحالتين يبقى السؤال: كيف يمكن لطرف أن يسيء لنفسه إلى هذه الدرجة؟ وألا يعلم أن انتصاره ممنوع؟ وهل الإيديولوجيا تعمي إلى هذه الدرجة الرؤية فتغلب الأوهام على الوقائع والحقائق؟
وفي ظلّ هذا الوضع هناك محظور وحاجة. وإذا كان المحظور يتمثّل بعدم تحويل الصراع من معارضة متنوعة في مواجهة النظام إلى مواجهات جانبية بين أطراف المعارضة نفسها يستفيد منها النظام، فإنّ الحاجة ماسّة وأكثر من أي وقت مضى من أجل مضاعفة المجتمع الدولي تسليحه ودعمه للمعارضة السورية، واعتبار المبايعة سبباً إضافياً وإلزامياً للتسليح، خصوصاً أن خيارات المجتمع الدولي محدودة: إمّا التسليح وحصر قنوات الدعم المالي والعسكري بالمعارضة لبَسط سيطرتها على الأرض والتهيئة لسوريا الجديدة، أو الانكفاء إفساحاً في المجال أمام مزيد من الفوضى و”نَصرنة” سوريا… 
