مفهومة جداً أبعاد هذه الحملة التي يتعرض لها رئيس جمهورية لبنان العماد ميشال سليمان كونه يتصرف كرجل الدولة في زمنٍ كثرت فيه رجالات السلطة، هذه الحملة التي يُرجَّح ارتفاع منسوبها على هذا الرجل الإستثنائي في هذا الزمن الإستثنائي بعد غياب الوصي السوري الذي لم يستوعب حتى الساعة فكرة خروجه من لبنان تاركاً رجاله يهددون حيناً ويتوعدون أحياناً، هذا القائد الذي أحسَن (عسكرياً ومدنياً) إدارة البلاد في أصعَب الظروف وأحلكها، بالحد الأدنى من الصلاحيات الدستورية وبأقل كلفة سياسية ممكنة.
ومع كل هذا الضجيج الكلامي، يبدو الرئيس مرتاحاً تجاه حاضره والمستقبل، وتجاه التاريخ أيضاً، هذا التاريخ الذي سيدخله سليمان مع نهاية عهده من بابه العريض، كونه أحسَن التصرف وبالممكِن، بما يخدم المصلحة اللبنانية الصافية في لحظة البركان الإقليمي الملتهِب والنار السورية المشتعِلة.
آخر الفصول الهجومية على الرئيس غير المقتنع بما يُقال فيه مشروع “القانون الأرثوذكسي”، اتهام إستباقي من أهل “الممانعة” والأبواق، بتركيبة “أمر واقِع” حكومية تحمل عنوان الـ”سين – سين”، أي “سليمان – سلام”، وكأن في الأمر (إن حصل)، جريمة يُعاقِب عليها التاريخ في حال أنجز رئيس البلاد وفقاً لصلاحيات منحه إياها الدستور وبالإتفاق مع الرئيس المُكلّف بإجماع كلّ الكتل، تركيبة حكومية ترضي ضميره وتُخرِج البلاد من أتون الفراغ القادِم.
ليس مستغرباً هذا الفجور الإعلامي الذي يحاوِلون من خلاله ترهيب الرئيس وترغيبه، كيف لا وهو من بارَك وأثنى على كشف مخطط “سماحة – المملوك” الإرهابي وهو أول من تجرأ على مطالبة الرئيس السوري بتفسير ما حصل، هو أيضاً من شارك في قمة عربية أقصت نظيره السوري عن المشاركة، وهو أيضاً من وضع حداً غير مرة لوزير الخارجية عدنان منصور على مواقِفه غير السيادية وما أكثرها، هو أيضاً من لم يرتضِ للبنانه فكرة الخرق السوري المتكرر للسيادة المُستعادة ولو جزئياً بعد الإنسحاب العسكري من لبنان أسوة برفضه أي خرق إسرائيلي ينتهك السيادة اللبنانية. هو بالمختصر، الرئيس الذي عرف كيف ومتى ينتزع المبادرة بالتكافل والتضامن مع الفريق الوسطي في حكومة نجيب ميقاتي المستقيلة، إنه أقوى رؤساء ما بعد الطائف، إضافة إلى كونه فاتِح عصر الرؤساء السياديين والمتفاعلين بحكمة مع ثورات الشعوب في العالم العربي.
لينظر هؤلاء المتطاولون إلى تاريخهم المليء بالتبعية والعمالة والإرتزاق قبل أن يتلفّظوا بكلمة واحدة بحقّ اللبناني الأول المؤتمن على الدستور، هذا الذي لم تردعه الخطوط الحمر لحظة قرر دخول مخيّم نهر البارد وتطهيره من الإرهابيين الذين سبق للنظام الأسدي أن سهّل دخولهم، ولا لحظة حشدت جماعة “شكراً سورياً” في الثامن من آذار 2005 ناسها للترهيب والترغيب، فكانت حكمته بالمرصاد وكان ذاك “الرابع عشر المليوني” برضى الجيش وابتسامته… والوردة البيضاء.
بعيداً من منطق التطاول على موقع الرئاسة الأولى الذي يُمثِّله ميشال سليمان، يحق لأيٍ كان أن يؤيد مشروع قانون “اللقاء الأرثوذكسي” الذي يرفضه الرئيس أو أن يعارض قانون الحكومة النسبي على قاعدة الـ13 دائرة الذي وافق عليه سليمان. يحق لأيٍ كان أن يوافقه احتجاجه على الخرق السوري المتكرر لسيادة لبنان أو أن يعتبر انتهاك السيادة نزهة عادية للجيش السوري. من الممكن لأيٍ كان أن يطالب بحكومة سياسية قد لا تبصر النور بفعل الشروط والشروط المضادة التي تنتج فراغاً يرفضه الرئيس مع اقتراب نهاية عهده، ومن الممكن أيضاً أن تثِق بحكمة الـ”سين – سين” (سليمان – سلام) وتاريخ أصحابها الناصِع البياض وتردد مع غالبية اللبنانيين: يا فخامة الرئيس المؤتمن على الدستور الذي تحميه ويحميك، ويا دولة الرئيس المُكلّف الحاصِل على إجماع كلّ الكتل النيابية، “تصرفا بما يرضي ضميركما، فالدستور معكما، نثق بكما وبأي حكومة تريان في تشكيلها مخرجاً من الأزمة التي تُهدِد أمننا ومجتمعنا واقتصادنا والإستقرار، حكومة إنتخابات نزيهة على صورة الـ”سين – سين” ومثالها.