كتب حسين زلغوط في صحيفة “اللواء”
يُشمِّر الرئيس المكلّف تمام سلام عن ساعديه وينطلق في رحلة البحث عن الصيغ التي يُفترض أن تشكّل له الممر الآمن للولوج باتجاه تأليف حكومة «المصلحة الوطنية» التي كان وعد بها لحظة الإعلان عن تكليفه، من دون أن يُسقط من حساباته بأن المناخات السياسية التي أحاطت بهذا التكليف ستكون مختلفة إلى حدٍّ كبير لدى مقاربته عملية التأليف، وأن رحلته ستكون شاقة ومُتعبة وسط هذا الانشطار السياسي والطابع الكيدي والنكدي الذي يهيمن على سلوكيات غالبية القوى السياسية على الساحة الداخلية.
من المنتظر أن يستفيد الرئيس سلام من الأفكار والطروحات التي سمعها على مدى يومين في ساحة النجمة من مختلف الكتل السياسية، حيث سيعمل على بلورة وجوجلة ما تناهى الى مسامعه حول شكل الحكومة في الدرجة الأولى، تاركاً مسألة توزيع الحصص للمشاورات التي سيجريها مع القيادات السياسية خلف الكواليس وبعيداً عن ضوضاء الإعلام، وهذه المهمة لن تكون سهلة أمام الرئيس المكلّف الذي عكس أمام النواب في الاستشارات أجواء مفادها بأنه لن يخضع لأي عملية ابتزاز أو فرض شروط، وأنه سيكون مرناً إلى أبعد الحدود في تلقي مطالب القوى السياسية في ما خصّ توزيع الحقائب.
وتؤكّد مصادر سياسية متابعة أن الوضع الحكومي لم يصل بعد عتبة البحث في الحقائب، وأن المشاورات ما تزال في إطار العمل على تقريب المسافات بين القوى المؤثرة في ما خص شكل الحكومة حيث أن فريق 8 آذار يرى أن المرحلة تتطلب حكومة سياسية، في حين يعتبر فريق 14 آذار أن لبنان بحاجة إلى حكومة حيادية تقوم على أساس الاشراف على الانتخابات.
ومن خلال رصدها لمواقف الرئيس المكلّف ترى المصادر أنه يحبّذ أن تكون مصغرة، وفي حال أصرّ على هذا التوجّه فأنه سيكون في مواجهة مع فريق 8 آذار الذي يتمسك بأن تكون الحكومة موسعة تُشرك فيها كل الأطياف السياسية وفق التوزيع الطائفي.
وترى المصادر بأن الرئيس المكلّف ربما يلجأ إلى التمهّل وعدم التسرّع في فتح مسألة توزيع الحقائب إلى حين أن تتبلور لديه صورة واضحة عن كافة المطالب ومن ثمّ يعمل على مناقشة هذه المطالب من خلال مروحة اتصالات ومشاورات يعكس فيها رأيه بهذا الخصوص.
وفي اعتقاد المصادر أن تناتش الحصص ربما يؤدي إلى تأخر ولادة الحكومة، سيّما وأن ملامح مواجهة بدأت تلوح حول حقيبتي المال والطاقة، وقد عكست التصاريح النيابية وقت الاستشارات مثل هذه الأجواء وأكدها كلام نُقل عن «الرابية» بأنها لن تفرّط بحقيبة الطاقة مهما كلّف الأمر، وأنها في غير الوارد استبدالها بوزارة المال التي تصفها بـ «المفلسة».
وإذا كانت المصادر ترى أن الاشتباك السياسي حول الحقائب أمر طبيعي يحصل عند تأليف أية حكومة في ظل انقسام سياسي، فإنها تعتبر أن بيت القصيد سيكون البيان الوزاري، حيث يتمسك فريق 8 آذار بمعادلة الجيش والشعب والمقاومة يقابله تأكيد من فريق 14 آذار على التمسك بإعلان بعبدا وهو عبّر عنه صراحة الرئيس سعد الحريري بعد لقائه البطريرك بشارة الراعي في العاصمة الفرنسية.
وأمام هذا المشهد السياسي غير المريح فإن المصادر ترى أن الدخان الأبيض لن نشاهده عما قريب يبشّرنا بولادة الحكومة، غير أن ذلك لا يعني أن الأبواب موصدة، وأن العُقد الموجودة يصعب حلّها، مشددة على أن طول صبر الرئيس المكلّف يبشّر بالخير خصوصاً وأنه نشأ في بيت سياسي عريق عايش محطات وأزمات كثيرة، وبات يُدرك أنه لا يمكن أن يمر أي استحقاق إلا من خلال اعتماد قاعدة التفاهم وهو سيكون سر أبيه الذي ابتدع صيغة التفهّم والتفاهم، وقاعدة اللاغالب ولا مغلوب.
وانطلاقاً من هذه المسلّمات ترى المصادر أن الرئيس المكلّف لن يكون صدامياً، وأنه سيذهب إلى أبعد الحدود في تدوير الزوايا، وأن أي مفردة تتعلق بالاعتذار لن تجد لها مكاناً في قاموسه السياسي، عدا عن ذلك فإن الإشارات الإقليمية والدولية التي وصلت إلى دارة آل سلام في المصيطبة ستكون بالنسبة للرئيس المكلّف قوة دفع باتجاه السعي الحثيث للوصول إلى توليفة حكومية تؤدي مهمة الاشراف على الانتخابات وتعمل على إضفاء مناخات التهدئة على الساحتين السياسية والأمنية.