“يواجه لبنان تجربة المرحلة الانتقالية التي فشلت في سوريا إذ ان المهمة الأساسية للرئيس المكلف تمام سلام هي تأليف حكومة توافق وطني موقتة تنهي سلمياً تجربة حكومة فرضها “حزب الله” وحلفاؤه المحليون والاقليميون على أفرقاء أساسيين من طريق الضغوط والاستقواء، وتعيد التوازن الى المؤسسات الدستورية والحياة السياسية وتعزز صيغة العيش المشترك وتصحح مسار العملية الديموقراطية، بالتعاون مع فريق 14 آذار والوسطيين والرئيس ميشال سليمان. وتمام سلام هو السياسي الاستقلالي المناسب للإضطلاع بهذه المهمة الحساسة والصعبة التي تتطلب تحقيق إنجازين رئيسيين: الأول إقناع الأفرقاء بضرورة تقديم تنازلات متبادلة من أجل تأليف الحكومة الموقتة المناسبة المفترض فيها أن تركز جهودها على صياغة قانون جديد للإنتخاب مقبول لدى الجميع، والثاني الإشراف على إجراء الانتخابات النيابية الحرة والشفافة في أقرب وقت وفي أجواء آمنة ومستقرة من أجل ضمان التداول السلمي للسلطة”. هكذا لخص مسؤول أوروبي في باريس معني بالملف اللبناني، مهمة سلام الذي يلقى دعماً سعودياً – عربياً – إقليمياً – دولياً واسعاً وقال: “لقد أحبط الرئيس بشار الأسد كل الجهود الديبلوماسية لحل الأزمة السورية ومنع بدء مرحلة إنتقالية لأنه رفض نقل السلطة سلمياً الى نظام جديد ديموقراطي تعددي وتمسك بمنطق الإستقواء وإنكار الحقائق وأصّر على مواصلة تطبيق الخيار العسكري المدمر، لكنه فشل في حماية نظامه من التفكك والإنهيار والسقوط تدريجاً. فهل يكرر “حزب الله” التجربة الخاطئة والفاشلة للأسد أم يتعاون جدياً مع سلام والأفرقاء الآخرين من أجل تسهيل تأليف الحكومة الموقتة وضمان إنتقال السلطة سلمياً الى حكومة شرعية تنبثق من مجلس جديد للنواب؟”.
وأوضح المسؤول الأوروبي، بناء على المعلومات التي تملكها حكومته، ان “حزب الله” يواجه ثلاث حقائق أساسية يفترض أن تدفعه الى إعادة النظر في حساباته وتوجهاته هي الآتية:
أولاً – لقد خسر “حزب الله” رهانه على الحل المنفرد واضطر الى أن يكون واقعياً ومرناً ويدعم تكليف سلام مرشح خصومه لتأليف الحكومة ويعترف ضمناً بهزيمته السياسية لأنه عجز عن حكم لبنان مع حلفائه إذ ان الحكومة التي ألفها فشلت وتفككت وانهارت وهو يعلم انه ليس قادراً على تكرار هذه التجربة وانه فقد الغالبية النيابية.
ثانياً – ثمة حقيقة يدركها “حزب الله” هي ان دوره الإقليمي أكثر أهمية بالنسبة اليه من دوره اللبناني لأنه يستمد منه مصادر قوة أساسية. وهذا الواقع يدفع الحزب الى أن يحتفظ بارتباطه الوثيق بالتحالف السوري – الإيراني ويعمل على دعمه بكل الوسائل الممكنة من أجل مساعدته على تحقيق أهدافه، أيا تكن الإنعكاسات السلبية والخطيرة لهذا التوجه على الساحة اللبنانية. وفي الوقت عينه يدرك “حزب الله” اليوم أكثر منه في السابق انه ليس قادراً على أن يحكم لبنان ويفرض إرادته ومطالبه وشروطه وخياراته الإقليمية على سائر الأفرقاء من طريق الضغوط الأمنية والقوة العسكرية لأن الخيار العسكري – الأمني فشل في سوريا وتطبيقه في لبنان سيفجر الأوضاع ويدمر البلد ويلحق الأذى بجميع اللبنانيين من غير أن يسمح للحزب بالانتصار.
ثالثاً – المعلومات التي تملكها جهات أوروبية وعربية تفيد أن “حزب الله” يدرك ان النظام السوري بات مصدر ضعف وإرباك له وانه ينهار تدريجاً وان الأسد فقد سلطته في الداخل وخسر دوره الإقليمي وليست ثمة دولة مؤثرة تريد أن تعقد معه صفقة في شأن لبنان أو أي قضية أخرى، كما ان الدول الغربية والإقليمية البارزة ترفض إنجاز أي تفاهمات مع إيران تساعد على إخراج النظام السوري من مأزقه الكبير وتسمح للحزب بأن يحقق مكاسب في الساحة اللبنانية. ويدرك الحزب في الوقت عينه انه لن يستطيع حماية نظام الأسد من السقوط مهما فعل لكنه مضطر الى أن يوفر الدعم له من غير أن يتمكن من تغيير موازين القوى في الساحة اللبنانية لمصلحته.
ورأى المسؤول الأوروبي “ان هذه الحقائق والمعطيات يجب أن تدفع “حزب الله” مبدئياً الى تقديم بعض التنازلات والمساهمة جدياً في تسهيل تأليف الحكومة الموقتة وضمان نجاح المرحلة الإنتقالية. لكن تطبيق هذا الخيار يتطلب من الحزب أن ينقلب على ذاته وأن يتحول فعلاً من حزب مواجهة يريد إقصاء خصومه السياسيين ويعطي الأولوية لدعم مصالح حلفائه الإقليميين، الى حزب مصالحة وتوافق يعطي الأولوية لتحقيق المصالح اللبنانية الحيوية ولتعزيز الحوار الداخلي والمصالحة الوطنية ويساعد على توفير الحماية الذاتية للبلد من إنعكاسات الأزمة السورية المتزايدة خطورة. وهذه فرصة مهمة لكي يصحح “حزب الله” أخطاء المرحلة السابقة ويبني جسور التفاهم مع أفرقاء أساسيين حاربهم بوسائل متنوعة. بل يمكن القول ان هذه لحظة الحقيقة بالنسبة الى “حزب الله”.