كان الجولان محتلاً. صار باطّراد أكثر احتلالاً. فالصمود والتصدي، و”المقاومة” و”الممانعة” “تجاهد” ضد “الارهابيين” و”القاعدة” “والسلفيين” على الأرض التي لا تحتلها اسرائيل! فكأنما المنطق يقول إن الارهابيين (أقصد الشعب السوري المنتفض) أشد خطراً من اسرائيل. وهم الذين “يحتلون” الأرض ويهددون بالتوسع لكي يستولوا على وطن غريب اسمه وطنهم! فالأرض التي يستوطنها العدو في الجولان خالٍ من هؤلاء “الزمر” والعدو نفسه مُهوّد الأرضَ والهويةَ والتاريخَ خارج دائرة الاستهداف. فليبق آمناً لأنه (بمنطق الممانعة والمقاومة السابقة) ربما ساعد على “عدم” ظهور مثل هؤلاء الارهابيين هناك، أي في الجولان، أنه “غير ارهابي” وكلنا يعرف ان عبارة “ارهابي” مستمدة إلى حد كبير من القاموس الصهيوني في تعريفهم بالثوار والعرب وبالمقاومة الوطنية (في الثمانينات) ومقاومة حزب الله في الجنوب ويعني ذلك ان الطريق الى الجولان بات يمر (هذا اذا مرَّ) من دمشق، وحمص وحلب ودير الزور وادلب… وها هو جيش النظام “الباسل” في ساحات “الوغى” يحارب العدو الذي طلع من ناسه وجعلهم إرهابيين مجرمين… بعد اطمئنان أهل الكهف الطويل إلى جبهة الجولان المحروسة، والمحروس فيها كرموش العين جيش العدو المحتل. فطرق الجولان طويلة. أطول من “الأبد إلى الأبد” ولهذا، فهي آمنة ومؤمنة ولا يُشكل فيها الاحتلال خطراً على النظام بل ولا يسبب له أي “ازعاج” أو قلق! فكل الجبهات العسكرية والمقاومة على العدو “العربي” المتمثل بالشعب السوري المنتفض. هنا الخطر الحقيقي ربما الأول والأخير.
ومن الطبيعي إذاً أن يُهرعَ كل الممانعين والمقاومين من إيرانيين و”روس” وصولاً بالطبع إلى “حزبنا الإلهي” لنجدة النظام، وانقاذ “الأمة” من شرور ما يسمى الربيع العربي. فكلمة “عربي” ليست أصلاً مستَحَبّة لا من الُفرسِ ولا من الرُّوس… ولا من حزب الله! ربيع عربي بالنسبة إلى هؤلاء يعني تهديداً لوجودهم وهيمنتهم. ومشروعهم “الهلالي” لكسر الجغرافيا العربية والتاريخ والميراث والمستقبل! “فهّبُوا إلى الجهاد!” قالها بوتين: “دمشق هي موسكو. وموسكو مهددة!” و”هّبُوا إلى واجب الجهاد”.. هتفتها إيران “دمشق هي طهران”. فإذا صارت دمشق هي موسكو وطهران.. فإين هي دمشق العربية “قلب العروبة النابض”.. وأي قلب عربي هذا الذي ينبض بالروسية والفارسية! أكثر: “هبوا إلى الجهاد” قالها بعض ملالي بلاد فارس “سوريا هي الولاية الإيرانية الخامسة والثلاثون” هبوا! احملوا أسلحتكم: فلكي نصل إلى اسرائيل ونحرر القدس “الشريف” علينا ان نُلحق سوريا بروسيا.. وبإيران.. وربما بالصين! ومن يدري ربما بفنزويلا وهكذا تقصر الطرق إلى العدو التي باتت تمر من كل هذه القارات والبلدات والأنظمة! إلاّ من الجولان ودمشق!
حزب الله الذي حارب اسرائيل بسلاح المقاومة، يردد أصداء “واسورياه”، “و”حمصاه” التي اطلقتها أصوات “الملالي”… و”الدببة” الروس البيضاء. “فإلى الجهاد. إلى الجهاد. صرخها حزب الله بحناجر “مقاوِمة” ونبرات مسلوخة من اللحم. وبايمان قلّ نظيره و”عمقه” “إلى الجهاد” ! يا شباب المقاومة. يا شباب الشيعة المقاومين. احملوا أجسامكم الفتية، النَّضِرة، وقلوبَكم المفعمة بالأمل… واهتفوا معاً لدحر العدو الذي يُهدّد سوريا “الأبية”. وكان من الطبيعي ان يخطر ببال أحدهم من الشباب “المقاوم” ويتساءل في سره أو ربما علانية وربما السؤال الممنوع عند آلهة الحرب الكبار): أي عدو؟ أكيد اسرائيل! أكيد إلى الجنوب! “نعم” (أجاب صوت من خلف الكواليس). ويرتد هذا الشاب إلى أمه “الله يحميك يا ابني” ويخطر ربما ببال أحد آخر “أترى هذه المرة إلى الجولان” تمتمها وهو يعبر الأراضي السورية! سنحرر الجولان يا أهلي ابشروا! نحن نلبي “الواجب الجهادي” لنحارب العدو.. والجولان هذه المرة لن يمر لا من بيروت (7 أيار) ولا من جبل لبنان… ولا نهر البارد ولا صيدا ولا طرابلس ولا عرسال…! نحن والجولان والعدو بلا مسافات. وجهاَ لوجه! وأخيراً: تنهّد المقاتل “المقاوم”! وقال “تطيب الشهادة في واجب الجهاد لاسترجاع القدس.. والجولان… وفلسطين كلها! فلنستكمل معركة التحرير. وحزبنا حزب التحرير. وهكذا، شقَّ الشبان الطرقات، وضربوا في الأرض العربية السورية وعلى جباههم الفتية “الواجب الجهادي”. وبعضهم غرّب نحو حمص، وحلب وبعض القرى اللبنانية (داخل الأراضي السورية) واحتلها! ويقال إن بعض هذا البعض ارسل مراسيل إلى أهله في الجنوب أو في البقاع أو في الضاحية (احتللنا أرضاً لبنانية في سوريا)! وها نحن نخوض معركة الدفاع عن النفس، درءاً للمخاطر التي تهدد اهلنا الشيعة داخل سوريا… من قبل الارهابيين السنة والقاعدة والسلفيين! ويضم أهل “المقاومين” رسائل ابناءهم ويقبلونها. انها اللحظات العالية. ثم، ومن تلك النواحي، يدرك “جهاديو” الحزب ودمشق وارجاءها ومنها مقام السيدة زينب! هنا يمكن أن تتغير النظرة… من عمومية إلى “خصوصية” وربما إلى فردية: لكن أتُرى وصلت فعلاً اسرائيل إلى مقام السيدة زينب وها نحن نتصدى لها حماية لهذا المكان المقدس! بعضهم ربما تَوَّهم وجود من هُمْ “اخطر” من اسرائيل لكن حتى هذا المتوهم لم ير جنوداً اسرائيليين بين من يحاربهم “بيحكو عربي، وشامي وحمصي. لكن متى تعلم الجنود الاسرائيليون هذه اللهجات؟ يعني هؤلاء سوريون من أهل سوريا.. ونظر بعض هؤلاء إلى بنادقهم… ثم تلمسوا وجوههم “ونحن لبنانيون” وتساءل البعض “أجئنا من لبنان نحمي مقام السيدة زينب من السوريين؟ ويتذكر بعض هؤلاء المسلحين كيف آوى الشعب السوري (الذين يحاربونه اليوم) ألوف النازحين في حرب تموز الصهيونية في منازلهم وقاسموهم اللقمة، والرغيف والغرفة! ويتساءل هذا “البعض” من تغير: انحن حزب الله تغيرنا لنرى في هؤلاء أعداء أم ان هؤلاء تغيروا… وعلينا الدفاع عن امكنتنا المقدسة! فاذا كانت اسرائيل غير موجودة هنا… فمن نحارب إذاً. ومن نقاتل. ومن نقتل. أجئنا بواجب جهادي إلى سوريا… لنحارب السوريين دفاعاً عن النفس؟ تشوش فكر هذا “الجهادي” ثم استدرك: طيب وهؤلاء الأطفال الذينَ يقتلون. مَنْ يقتلهم؟ الطفل محمد درة اغتالته اسرائيل ومعه عشرات الأطفال.هذا في غزة! لكن من يقتل أطفال سوريا. نحن أم اسرائيل أم حليفنا النظام. هنا ارتعشت يد المجاهد: أصرنا في موقع واحد مع اسرائيل في قتل الأطفال العرب؟ والسوريين؟ وهل علينا نحن المجاهدين ان ندين وحشية اسرائيل ونبرر وحشية النظام.. وربما غداً وحشيتنا… وفي مثل هذه اللحظة ربما اشتدت المعارك في حمص… أو في دمشق وها هو أحد الجهاديين “يُقتل” شبابُه أجمل منه، هو أجمل من شبابه؟ أحلامه صغرت في ثقوب الرصاص الذي اخترقه! فأعيد إلى أهله محمولاً في تابوت. وتصرخ الأم “ألم يكن إبني في الجنوب؟” كيف يكون في الجنوب ويُقتل في دمشق؟ وعندما بدأ يتساقط ضحايا الحزب دفاعاً عن النظام “ألم يخبرونا انهم ذاهبون إلى إيران للتدريب؟” كيف يكونون في إيران ويقتلون في “القصير”؟ من يكذب علينا؟ وهنا، تبدأ الحيرة. فالبينة الحاضنة على قدر ما تؤمن بحزبها. عَفّتْ طويلاً عن المحاسبة والمحاججة وطرح الأسئلة: الحزب ادرى! والحزب الذي يحمل اسم الله ناصع، عادل، على صورته تعالى! فكيف نشك فيه؟ لكن ومع توالي القتل بالعشرات ومع خروج الحزب عن صمته، واعلانه عن ضحاياه في حربه ضد الشعب السوري، بدأت تكثر التوابيت علانية. لم تعد الجنازات سرية تُجرى في الظلام. (حتى الدفن صار ظلامياً!) ثم راحت تتعالى الانفاس حارة لاهثة خلف الأرقام والأسماء. ثم ارتفعت الأسئلة عارية من كل خشية ومن كل ترهيب. ومن كل محاذير: من ساق أولادنا، اكبادنا، إلى هناك؟ ومن اجل مَنْ يحاربون؟ ومن أين جاء “الواجب الجهادي” أمن الحزب أم من طهران أم من روسيا أم من الصين. تدحرجت الأسئلة تدحرج الدموع، والآهات واللوعات ككريات الثلج الأسود. وتشرئب والدة مفجوعة بابنها: قاومنا اسرائيل المحتلة نعم! وقدمنا اولادنا قرابين من اجل لبنان المحرر. نعم! وغصصنا بالدمع حرقة، لكن سكنت قلوبنا الآمال والعزة.. نعم! تحملنا التهجير والفقر والنزوح ودمار بيوتنا وقرانا وجسورنا… نعم! لكن كرمى لمن قاوم اسرائيل! لكن لماذا يريدوننا اليوم أن نقتنع بأن المواجهة مع اسرائيل المحتلة توازي المواجهة مع أشقائنا السوريين. أهكذا بلحظة يحل شعب شقيق كامل محل اسرائيل. حتى هذه المقارنة لم تعقد: لم نرَ أي طائرة حربية سورية تقاوم اسرائيل عندما اخترقت الأجواء السورية. لم نسمع ضرب مدفع. ولا رأينا جنوداً. ولا مقاومة. ولا دفاعاً. ولا دبابات. ولا مدرعات. ولا راجمات صواريخ. ولا براميل متفجرة. ولا قنابل عنقودية. أو صواريخ أرض أرض. ولا صواريخ سكود. ولا أسلحة كيميائية. وتسأل إمرأة فتك الموت بأخيها “وأين كانت مخبأة هذه الطائرات والأسلحة والجيوش. هل حقاً بنيت هذه الترسانة لمحاربة اسرائيل أم لمحاربة الشعوب؟ تنهدت واغرورقت عيناها بالدمع “وحزب الله أترى بات يخبئ أسلحته بعد التحرير ليشهرها على من؟ على اهلنا اللبنانيين ويقنعنا بأنهم خونة؟ السوريين؟ وربما غداً اهل اليمن؟ أو سواهم! تُطرق هذه المرأة: اترى أين قضى أخي نحبه؟ في القصير؟ في حمص. حلب. دمشق. أترى ذهب من لبنان إلى سوريا ليدافع عن المقدسات؟ وهل مقام السيدة زينب موضع خلاف؟ بين مَنْ ومن؟ أم للدفاع عن شيعة “أهل البيت” ومن كلفه هذه المهة؟ شيعة إيران؟ “شيعة النظام السوري”؟ أتراها ترهات. أم فتاوى. أو توكيلاً. او تفويضاً. أو أمراً. أساقَ الحزب شبابنا إلى هناك ليشارك مع الايرانيين الذود عن مقام مولاتنا زينب: وهل بنو إيران أقرب إلى السيدة زينب من السوريين؟ أترى حمل ألوف الشباب المقاتلين ليحارب “التكفيريين” في سوريا؟ ام حماية “المناطق الشيعية من السلفيين؟ اذا كان الأمر كذلك تقول أخت “الشهيد”: فيعني ان الحزب يخوض حرباً مذهبية، مع نظام مذهبي، ومن أجل نظام مذهبي؟ ولكن ماذا عن عشرين مليون سوري؟ أكلهم تكفيريون؟ أكلهم ارهابيون؟ (ولم يوصم الحزب بالارهاب) أكثر: اترى هذا ما منع الحزب عن المطالبة بمصير 15 ألف لبناني مفقود في سوريا على أيدي هذا النظام؟ أهؤلاء ليسوا لبنانيين؟ ومخطوفو اعزاز وهم أعزاء على قلوبنا لماذا لا يطالب الحزبُ النظامَ بإرجاعهم (ألم يقصف النظام اعزاز لقتل هؤلاء!) تماماً كما اعدم 22 شهيداً من حزب الله نفسه في عام 2008 في ثكنة فتح الله في البسطة الفوقا. أليس هؤلاء شيعة؟. مثل أخي. لماذا برأ الحزب جريمة هذا النظام. وكيف صَنَّف الحزب شهادة هؤلاء الشهداء. وهل ننسى معارك اقليم التفاح والضاحية: أف! يا للذكرى. دم شيعي أهرق بأيد شيعية. (تماماً كما اهرقت دماء مسيحية بأيد مسيحية) يا للخراب! اين هو الخطأ وأين هو الصواب! صحيح ان مثل هذه الأسئلة في هذه اللحظات الفاجعة يبدو للذكرى ولكن ايضاً لاستعادة التوازن والتبصر هل الفاجعة مكان صالح للتفكر؟ وهل في زمن الفقدان والجنون يصح القول الخبيء؟ ربما! لكن ما بتنا ندركه اليوم، أصابنا بهزة. اصاب قناعاتنا. ربما بدأ يزيل غشاوة عن عيوننا. عن مصيرنا: جارنا قتل في دمشق وأخي في حمص وعلمنا ان كثيرين قتلوا هنا وهناك. وإلى متى؟ رفعت أخت الشهيد رأسها: إلى متى؟ ثم وبنبرة مصممة: من صرنا؟ ومن نحن؟ وكادت تصرخ “إلى أين تأخذوننا يا حزب الله” وباسم من ودماء أهلنا وأخوتنا… من يهددها! هنا التفتت حولها: “للجدران آذان” حتى في لحظات الموتى. حتى في لحظات الوداع. والتذكر. والضعف”. وادركت هكذا انها باتت تخاف. تخاف من الهواء ان ينقل صوتها. ومن الأبواب ان تُسرِّب كلامها. ومن النوافذ ان تفضح أحاسيسها. وفي هذه اللحظة بالذات ادركت هذه “الأخت” (وربما تلك الأم أو الأب أو الأخ المفجوعين بقتلاهم) انها باتت تخاف. نعم! هكذا حل الخوف محل الاعجاب ومشاعر الاعجاب والثقة والامان بحزب الله. وهنا بالذات عرفت انها دخلت في مرحلة جديدة.. هي وكل من يحيط بها.. مرحلة كسر جدران الخوف… والصراخ على رؤوس “الشهود” والشهداء.
وانفجرت باكية ولكن قوية “لن نترك اهلنا يموتون لا في سوريا ولا في إيران ولا في اليمن كرمى لاحد… ولن يكون اهدار دمنا مغلفاً بأي شعار.. لا جهادي ولا قتالي ولا دفاعي!
ثم فتحت النافذة وصرخت “دم اهلنا في اعناقكم يا حزب الله! فاتقوا الله! هكذا تُعلن البدايات: من دمعة . من صرخة. من قطرة دم. من فاجعة!
المهم إنها بدأت ومن أقصى الإيمان “بالأبطال” إلى أقصى الايمان بالانسان!