من حق اللبنانيين أن يسألوا، مثلما فعل رئيس الحكومة المكلف تمام سلام، ما إذا كان الإجماع الذي رافق تكليفه بالمهمة سيصمد على طريق إيصال رحلة التأليف الى نهايتها المنطقية، وبالتالي إجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري أو حتى في موعد لاحق يتم الاتفاق عليه. فالحكم لا يكون على النيات، وهو هنا حكم اللبنانيين قبل الرئيس المكلف، إنما على الوقائع السياسية التي يُفترض أن تجسدها إذا كانت النيات سليمة فعلاً.
أبعد من ذلك، فإذا كان تكليف الرئيس سلام بتشكيل الحكومة والإجماع الذي حظي به نيابياً قد أشاعا مناخاً من التفاؤل بعد حوالى عامين من الإحباط وفقدان الأمل الكاملين مع حكومة الانقلاب على الحياة السياسية اللبنانية، فلا ريب في أن وضع العراقيل في طريقه ومنعه من الانطلاق الى ما وصفه الجميع بأنه “مرحلة جديدة” في حياة لبنان سيكشف مجدداً ونهائياً زيف ما يدعيه البعض ليل نهار، ليس فقط حول حاضر لبنان ومستقبله وحمايته وإصلاحه، إنما أولاً وقبل ذلك حول ما يزعمه عن تمسكه بإجراء الاستحقاق النيابي في موعده الدستوري.
فلم يعد مقبولاً لدى اللبنانيين، وهم على ما هم عليه من بؤس حياتي وأمني واقتصادي اجتماعي لم يسبق له مثيل، ومن فرقة طائفية ومذهبية وجهوية على خلفية الشحن الدائم، ومن خوف على يومهم قبل غدهم، أن ينصتوا الى ما اعتادوا عليه من كلام على تقاسم حصص في المقاعد الوزارية، أو على ثلث معطل (يسمونه “ضامناً”) في داخل الحكومة، فضلاً أخيراً عن مقولة “الجيش والشعب والمقاومة”، بعد أن فقدت هذه العبارات من فرط استخدامها في غير معانيها كل ما يمت الى الحقيقة بصلة.
كما لم يعد مقبولاً بدوره، بعد أن أوشك لبنان على الانحدار الى قاع الدول الفاشلة في العالم، فضلاً عن عزلتها في العالم العربي، أن تواصل أحزابه وقواه السياسية وكتله النيابية اللعب على شعبه بالشعارات، إن على مستوى ما يوصف بـ”جبهة المقاومة والممانعة” التي باتت أنظمة وتنظيمات لا تفعل، إلا أنها تقتل شعوبها بالصواريخ الباليستية والطائرات الحربية، أو على مستوى مواجهة الأطماع الخارجية في ثرواته وموقعه الاستراتيجي بعد أن تبين بالوقائع (كما في مفاوضات إيران مع العالم حول ملفها النووي، وتوسيعه ليشمل كلا من سوريا والبحرين) أن هذه الثروات وهذا الموقع هي الهدف الحقيقي لكل ما يرفع في العلن من لافتات وما يتردد على الألسنة من شعارات.
بالعودة الى حكومة الرئيس سلام، لا حاجة للقول إن ما يريده اللبنانيون في هذه الفترة الحرجة من تاريخ بلدهم ليس إلا السعي لإعادة بناء الدولة، ولو بالحد الدستوري الأدنى المتمثل بإجراء انتخابات نيابية تنبثق عنها حكومة تعيد لبنان الى الحياة السياسية الطبيعية، بعد أن أخذته الشعارات الفضفاضة الى منطقة من الغيبيات اللإارادية من ناحية، واللاوعية بمصالح شعبه وحاجاته الفعلية من ناحية أخرى. وأياً كان الاسم الذي يريد البعض أن يطلقه على الحكومة، على عادة الطبقة السياسية اللبنانية في مثل هذه الحالات، فلعل ما قاله الرئيس المكلف نفسه تحت مسمى “المصلحة الوطنية” إنما يتجاوب مع هذه الإرادة ويلبي الكثير من الطموحات.
هي “المصلحة الوطنية” ما يقتضي النظر اليه لدى البحث في تشكيل الحكومة في الفترة الحالية… لبنانياً وعربياً وحتى دولياً. هذا ما يقوله الرئيس المكلف عن حكومته ويتصرف على أساسه، فهل هي وراء ما بدأ البعض يضعه من شروط ويوحي به من مطالب وحصص؟.
واقع الحال، أن جل ما فعلته قوى 8 آذار في خلال الفترة السابقة كان يهدف الى عرقلة قيام الدولة ومنعها من لعب دورها في رعاية الشأن العام تحت ادعاءات متنوعة، مثل التفرغ لـ”المعركة الكبرى” لدى البعض، أو ادعاء “الإصلاح والتغيير” لدى البعض الآخر، أو انتظار اتضاح الصورة في المنطقة لدى البعض الثالث، لكن النتيجة في الحالات كلها كانت زج البلاد في ما يعرفه الكل ويعيشونه من حالهم الآن: فوضى وضياع وفقدان أمل من جهة أولى، وأزمة اقتصادية وحياتية خانقة من جهة ثانية.
المرحلة الحالية يُفترض أن تكون مختلفة الى هذا الحد أو ذاك. هذا ما قاله الرئيس نجيب ميقاتي لدى تقديم استقالة حكومته عندما تحدث عن “فرصة” أو “فتح كوة في الجدار”، ووافقه عليه حتى حلفاؤه في الحكومة المستقيلة، وإن كانوا مضطرين الى ذلك أكثر من أي شيء آخر.
فهل هذا ما يفعله هؤلاء في واقع الأمر من خلال ما يُقال عن “شروط” و”أوزان” ومطالب تمثيلية يرفعونها في وجه الرئيس المكلف؟.
الأيام القليلة المقبلة كفيلة بالإجابة على هذا السؤال. إلا أن ما يبقى هو أن لبنان الوطن والشعب والدولة لم يعد يحتمل إعادة إنتاج مرحلة الأعوام الماضية وكأن شيئاً لم يحدث… لا في لبنان، ولا في المنطقة، ولا تحديداً في سوريا.