#adsense

ثلاثية الممر الإجباري

حجم الخط

لا تبدو أجواء التأليف مشابهة للتكليف الذي نال إجماعاً في الأسبوع الماضي، حيث تدلّ اليافطات المرفوعة بطريقة أو بأخرى إلى نيات غير معلنة تطالب بالوحدة الوطنية والشراكة والأخوة والمحبة والثلث المعطل والمعزوفة الثلاثية المعروفة بـ”الجيش والشعب والمقاومة”، والتمسّك بالوزارات والإصرار على المحاصصة والمشاركة الفعّالة وكأن شيئاً لم يحصل ومناخاً سياسياً لم يتغيّر من جهة، وهدف استبدال الاستحقاق الدستوري القادِم بحكومة سياسية صلبة وقادرة على التعطيل من جهة أخرى.

فمن يريد كبح المسار الإيجابي الذي شهدته البلاد لحظة استقالة الرئيس ميقاتي وتكليف الرئيس سلام، هو من يطلب كلّ شيء من دون أن يتواضع أو يعترف بأن “زمن الأول تحوّل”، نعم تبدّلت الظروف، كلّ الظروف، فأجواء تأليف حكومة نجيب ميقاتي لا تشبه أجواء تأليف حكومة تمام سلام، وضع النظام السوري تغيّر كثيراً، بشار الأمس كان جباراً كالتمثال أما اليوم فهو بالكاد يُمدد لنفسه كل ثلاثاء فيما التماثيل تتحطم في كل مكان، شكل الصراع الأميركي – الإيراني أيضاً تبدّل، سعودية الأمس ليست كمملكة اليوم، و”حزب الله” 2013 الغارِق في وحول حمص والقصير والشام وتشييع ضحاياه بالعشرات، لم يعد يشبه “حزب الله” 2011 “الضابط الكلّ الصنديد”, تبريره لأهالي ضحايا التكليف الشرعي تغيّر، فهل تجوز المقارنة بين شهيد الدفاع عن لبنان في مواجهة العدو الإسرائيلي وضحية “الواجب الجهادي” في سوريا، جهادي ضد من؟ وبالتالي جنبلاط اليوم ليس كوليد الأمس، حتى المير طلال تغيّر.

ومع ذلك، هناك من يكابر ويكابر ويكابر، فيما قافلة التأليف تسير بخطاها غير المتسارعة ولا المتسرّعة، لإنضاج طبخة حكومية قادرة على إخراج البلاد من عنق الزجاجة، فمن قال إن الوزير غير الحزبي وغير المرشح للانتخابات هو وزير غير مسيّس وبالتالي غير قادر على اتخاذ القرار المناسب؟ من قال إن نزاهته تكمن في تبعيته العمياء أو في إصراره على استغلال منصبه الوزاري لصرفه في صناديق الاقتراع وشراء الأصوات؟ من قال إن الوزير المستقل هو بالضرورة رمادي لا طعم له ولا رائحة؟ من قال إنه بلا حسّ وطني ولا ضمير حيّ حتى ترفضه القوى التي باتت تتغنى بالوحدة الوطنية الفارغة من مضمونها وبات مطلبها الأساس حكومة سياسية بالمفهوم الـ8 آذاري، أي حكومة طويلة الأمد، ما يعني أنه ليس في الأفق إرادة تعاطٍ جديّة مع الاستحقاق الدستوري ولا تباشير انتخابات ولا من ينتخبون؟

ومن قال إن خيارات الوزير غير الحزبي وغير المرشح الوطنية لن تكون لمصلحة حماية لبنان ولا لمصلحة التغيير والإصلاح والخير العام؟ من قال إن اختيار الرئيس المكلّف بالتكافل والتضامن والتشاور مع حكيم العهد، فخامة رئيس الجمهورية، لشخصيات نزيهة، دينامية ومنتجة في آن هو أمر غير مشروع في الحياة السياسية؟ من قال إن “التشبيح” هو الممر الإجباري لتأليف الحكومة كي لا تقع في “التجربة”؟ زمن التشبيح انتهى مع استقالة الرئيس ميقاتي، أما اليوم، فكل شيء تغيّر، وما كان يصلح بالأمس بات منتهياً للصلاحية اليوم، فيما قد يكون عفِناً بعد حين.

رُبّ قائلٍ إن الإسراع في التأليف قد يُنقِذ الاستحقاق الدستوري، حتى حسن الاختيار في التركيبة يبدو ضرورياً ومهماً، فلبنان بحاجة إلى وزراء أوفياء، يقاتلون من أجله، وبحاجة أيضاً إلى وزراء لا تعنيهم الوجاهة والسلطة بقدر ما يلهثون لصنع الإنجازات وتحقيق الطموحات المفيدة ويستقتلون من أجل الخير العام، الرئيس المُكلف يعرف أين يجد هؤلاء جيداً وفخامة الرئيس يعرفهم كثيراً، لبنان بحاجة إلى وزراء يجيدون العمل الجماعي، يُتقنون الحوار ويدركون المخاطر المحدقة ويتداركون إغراق لبنان في مستنقع الفراغ والفساد والفوضى. أنا أجزم، الرئيس يعرفهم جيداً… يعرفهم كثيراً.

هناك ثلاثية سبق لها أن حصلت على إجماع غالبية الأطراف، وهي تبدو ممراً إجبارياً للتأليف كونها قادرة على تسهيل كل شيء: “ميشال سليمان، تمام سلام وإعلان بعبدا”… أما الباقي، فتفاصيل أعجز من أن تعوق تأليفاً

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل