صحيح أنّ “التحالف الرباعيّ” في انتخابات ألفين وخمسة فتكَ عاجلاً بروحيّة ثورة الأرز. مع ذلك، لا يفقه معنى السياسة من لا يرى الاستقطاب وقتها بين ائتلافين متعارضين على طول الخط، أحدهما يقوده “حزب الله” والثاني مواجه موضوعياً لـ”حزب الله” حتى لو عقد صفقة انتخابية غير مبدئية معه. في المقابل، الأكثرية “الاستقلالية” التي أنتجتها انتخابات ألفين وخمسة حافظت على صفتها هذه، على الرغم من الاغتيالات المتسلسلة، وكذلك الغزو المسلّح للعاصمة.
في المقابل، انتخابات ألفين وتسعة شكّلت سابقة في تاريخ لبنان لجهة المبارزة الشاملة على طول الجغرافيا اللبنانية بين ائتلافين عريضين، ولو أن قوى الرابع عشر من آذار وقتها كانت مصابة بتداعيات غزوة أيّار، ومحمّلة ودائع موقوتة. هنا الأكثرية لم تستطع أن تحافظ على نفسها، إلا أن قلب الموازين لم يكن ليحدث مع ذلك إلا من خلال نقض “صلح الدوحة” وتحريك “القمصان السود”، وهذا بدوره لم ينفع في إعطاء “حزب الله” مكانة لم يستطع تأمينها بالانتخابات. فبعد سنتين من حكومة النأي الكاذب تبيّن أنّ “حزب الله” هو نموذج مدهش عن عجز قوة مسلّحة غاشمة عن تحويل رصيد تفوّقها العنفي الى ما يعادله من رصيد تفوّق سياسيّ، هذا على الرغم من أن القوى المواجهة لهذا الحزب ليست هي الأخرى على درجة فائقة في الاستثمار السياسي لكل ما تمتلكه من أوراق، بل غالباً ما كانت “تتفركش” بنفسها أو ببعضها البعض، على ما ظهر بشكل مؤسف غداة محنة مشروع “القانون الأرثوذكسي”.
الاستحقاقان السابقان يظهران بالتالي، على اختلافهما، أنّ “حزب الله” يعيش مشكلة أساسية تتصل بالتسجيل “السياسي” لتفوّقه “العنفي”، أزمة فقدان السبل لتحويل مشروع الهيمنة الفئوية إلى قاعدة تحكم النظام السياسي في لبنان، وما كان يمكن أن يدفع “حزب الله” الى ذلك في ظل حيوية عام ألفين “التحريرية” أو الفين وستة “النصر الالهية” لا يمكن تأمينه الآن بسهولة. الحيوية التي يمارسها الحزب في سوريا هي على النقيض من ذلك. حتى الساعة لا تزال التقديرات متضاربة حول الحجم الفعلي لتورّط الحزب في سوريا، لكن ما ينبغي أن يشغل المراقبين بعد ذلك هو كيفية تحول هذا التورّط من وسيلة احتاجها الحزب لشدّ رباطه الجهازي العصبوي الداخلي في مرحلة احتضار نظام آل الأسد، الى المدخل لبداية ظهور التناقضات داخل هذا الجهاز: ليس ثمة أي جهاز “أعمى” بشكل تام في أي منظومة مسلّحة كبيرة أو صغيرة، والحرب السورية لا يمكن إلا وأن تدفع بسؤال “الى أين” إلى داخل جهاز “حزب الله”. وكي يكون الأمر أكثر صراحة فإن المشهد الذي لم يعد يوحي بجبهة حيوية متراصة في “ثورة الأرز” كما المشهد المتوتر مذهبياً بين السنة والشيعة على صعيد المنطقة ككل، هما مشهدان لا يمكن أن يتحصّن الحزب في مواجهتهما بعقلية “القلعة المحاصرة” كما كانت الحال بعد حرب الألفين وستة. والأهم من ذلك أن “حزب الله” أدخل نفسه بنفسه في متاهة: من جهة يريد أن يهيمن على البلد، ومن جهة لا يريد أن يصطنع أي كيانية لبنانية “حزب اللهية” كي يؤمّن بذلك هيمنته على البلد. ذلك ان استحضار العلم اللبناني، أو توقيع تفاهم مع الجنرال ميشال عون، أمور لا تقدّم ولا تؤخّر في هذا الموضوع. بقي “حزب الله” بلا سردية عن لبنان، لا واقعية ولا أسطورية، ومن دون حد أدنى من هذه السردية لا يستطيع الهيمنة. بل إنه لا يستطيع حتى الجمع بشكل نافع بالنسبة إليه بين مقولة مجرّدة “المقاومة” وبين واقع مذهبي فجّ ونافر، أراد ستر نفسه بالأيديولوجيا الرسمية الإيرانية في مرحلة أولى، فكانت نتيجة ذلك أن زادته الأخيرة فجاجة ونفوراً. تخوين “حزب الله” للآخرين يكشف “أجنبيته”.
هي الآن، تأجلت أو لم تؤجّل، الانتخابات الثالثة. و”حزب الله” يدفع بكل العراقيل كي لا يخرج بصورة الخاسر فيها، أو حتى قبلها، لكن لا سبيل له للظهور بصورة المنتصر قبلها أو بعدها. استراتيجيته الآن الضغط من أجل تحديد مسبق للنسب البرلمانية التي ستخرجها الانتخابات المقبلة، وإلا الضغط من أجل توسيع مساحة الفراغ الدستوري ونضوب أسباب الشرعية، ولكن حتى لو افترضنا أنّ الحزب تمكّن من فرض الفراغ، فإنه لم يعد هذا الحزب الشاب الذي يمتلك حيوية حركة واندفاع باتجاه الاستيلاء على السلطة. لم يتعب هذا الحزب من الاستعلاء والتخوين والشطط بعيداً عن الأجندة اللبنانية، لكنه أيضاً، مثله مثل الجميع في البلد اليوم، حزب شاخ، حزب من دفتر الحرب الأهلية اللبنانية.