لم يكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري مجرد اغتيال لشخص عادي، لا من حيث الفعل ولا من حيث الإرتدادات التي لم تقتصر على لبنان، وإنما أصابت عدداً من دول المنطقة. ولم يكن حجم الصراع السياسي الذي نشأ إثر عملية الاغتيال بالأمر العادي، إذ إنه بين الدعوة الى التعقل والحوار الذي إرتضاه “أولياء الدم” حماية لمشروع رفيق الحريري لحفظ الوطن، والدعوة الى تحكيم الشارع من قِبَل الفريق الآخر، كاد البلد أن يسقط مجدداً في متاهات حرب أهلية تعيد الى الذاكرة مآسي العام 1975، أو يسقط في مخاطر التدويل التي كانت تلوح بالأفق بانتظار اللحظة المناسبة. وفي كلتا الحالتين لم يكن من المنتظر أن يأتي المردود أقل من العبث بثوابت الوطن ومرتكزات عيشه المشترك.
منذ اللحظة الأولى لعملية الاغتيال بدا من الصائب اعتبار استشهاد رفيق الحريري قضية سياسية بامتياز لا تعني لبنان وحده، إنما المنطقة بأسرها. فالقضاء على رفيق الحريري ليس القضاء على رئيس وزراء في لبنان فحسب وما يمثل هذا الرجل من قيمة وطنية وعربية ودولية كبرى، بل القضاء على أمن البلد واستقراره.
جاء الاغتيال ليفتح مجالاً واسعاً أمام العديد من الأسئلة المشروعة. ومن هذه الأسئلة: من يقف وراء اغتيال رفيق الحريري؟ وما هو الهدف؟.
بات واضحاً أنه من أجل الاجابة عن هذه الأسئلة كان لا بد من السعي للكشف عن الجهة التي وقفت وراء عملية الاغتيال، وهذا من خلال محكمة دولية خاصة تترجم كل هذه الأسئلة الى أجوبة واضحة لا لبس فيها ولا تسييس ولا استنسابية، ذلك ان كل اللبنانيين يريدون معرفة القاتل الحقيقي، وليس أي قاتل وهمي يختبئ وراءه القاتل الفعلي. لقد واجهت عملية انشاء المحكمة الخاصة بلبنان عوائق لبنانية، قانونية وسياسية وحتى أمنية، اهم العوائق القانونية كانت استقالة وزراء حركة “امل” و”حزب الله” من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى لمنع توقيع اتفاقية المحكمة مع الامم المتحدة، وكذلك اقفال المجلس النيابي لقطع الطريق على التصديق على الاتفاقية.
اما العوائق غير القانونية فكانت اغتيال عدد كبير من النواب المؤيدين للمحكمة بهدف منع نيل الإتفاقية الاكثرية المطلوبة في المجلس النيابي. وكان التناغم جلياً بين العوائق القانونية والأمنية. ولكن على الرغم من ذلك أقرت إتفاقية بقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع.
بعد أن أصبحت المحكمة أمراً واقعاً، وعلى الرغم من صدور القرار الاتهامي الذي حدد أسماء بعض المتورطين في جريمة إغتيال الرئيس الحريري، إتخذت الحرب القائمة على المحكمة الدولية أوجهاً مختلفة عن المحاولات السابقة، فإنتقل أعداء العدالة الى معركة افشالها، ولعل آخر جولاتهم تسريب أسماء قيل إنهم شهود، وبغض النظر عن صحة هذه الأسماء من عدمها، فإن هذا الأسلوب يتناقض مع نظام المحكمة وذلك بهدف اعطاء صورة مزيفة عن مصداقيتها أولاً، وثانياً وهو الأهم تعريض حياة الشهود للخطر وترهيبهم.
وقياساً على هذه القاعدة فإن العقبات التي توضع في وجه المحكمة الخاصة بلبنان متوقعة، خصوصاً وأنها دنت من كشف كل المجرمين، سواء المنفذين أو الذين إتخذوا القرار في جريمة وصفها مجلس الامن على انها جريمة ارهابية بكل المعايير وعلى قدر كبير من التعقيد.. رغم كل التسريبات السابقة وآخرها اسماء الشهود المزعومين فان عمل المحكمة مستمر وبخاصة ان كل محاولات التسريب السابقة باءت بالفشل.
والسؤال المطروح اليوم: بعد انطلاق أعمال المحكمة، ما هي ضمانات استمرار عمل المحاكمات؟
هنالك جملة عوامل أساسية تضمن استمرار عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان إلى النهاية وتؤمن لها الدعم الكامل والمستمر الذي تحتاج اليه، خلافاً لما يردده خصومها أو المتضررون منها ، وهذه العوامل هي الآتية:
أولاً: نشأت المحكمة بإرادة دولية ولن تتوقف بارادة جهة معينة، فقد تبنى مجلس الأمن في أيار2007، استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، القرار1757 الذي أنشأ المحكمة الخاصة بلبنان. وهذا القرار ملزم لكل الدول وقد صدر على الرغم من معارضة بعض المسؤولين في الداخل وفي بعض الدول الإقليمية. وهذه المرة الأولى في تاريخ الشرق الأوسط يتخذ مجلس الأمن قراراً بتشكيل محكمة دولية للنظر في جريمة اغتيال شخصية سياسية كبيرة وفي جرائم سياسية أخرى مرتبطة بها.
ثانياً: إن التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وصل إلى نقطة اللاعودة، وأن المرحلة الراهنة بعد بدء المحاكمة هو استمرار عمل المحكمة ولجنة التحقيق في ما خص باقي الجرائم المتلازمة مع جريمة الحريري واصدار الأحكام بحق المجرمين. وهذا ما توضحه التصريحات والمواقف العلنية الصادرة في الفترة الأخيرة عن أركان المحكمة والتي تعكس حصول اختراقات مهمة وأساسية في عملية كشف الحقيقة كاملة.
ثالثاًً: العامل الثالث الذي يشكل ضماناً لاستمرار عمل المحكمة ونجاحها هو أسلوب عمل المحكمة في رفض رئيسها وأعضائها الدخول في مناقشات حول الانعكاسات المحتملة لأي قرار قد تصدره المحكمة حرصاً منها على حسن سير التحقيق ومن أجل الحفاظ على حق المتهمين في التمتع بقرينة البراءة إلى أن تدينهم المحكمة. إن قضية الحريري بالنسبة إلى قضاة المحكمة ليست قضية شخصية يريدون استغلالها من أجل تحقيق ما يؤمن لهم الشهرة، فهم يدركون تماماً حجم مسؤولياتهم ويتصرفون على أساس أنهم يمثلون مجلس الأمن والمجتمع الدولي والعدالة الدولية في مواجهة المتورطين في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق ورفاقه.
ان تجارب المحاكم الجنائية الدولية السابقة تؤكد أن الافلات من العقاب هو أمر شبه مستحيل رغم كل العوائق والتسريبات، وهذا ما حدث في محكمة يوغوسلافيا بالذات وغيرها من المحاكم الجنائية الدولية.