#adsense

حدود وحكومة وإنتخابات

حجم الخط

ثلاثة ملفات تتصدر المشهد السياسي اللبناني: الحدود اللبنانية-السورية، تشكيل الحكومة السلامية وإجراء الانتخابات النيابية. والقاسم المشترك بين هذه الملفات يتصل بتداخلها وارتباطها وخطورتها، زائد عن أن الحلحلة في أيّ ملف يُفترض أن تنسحب على الملفين الآخرين، كما أن العرقلة في أي ملف تؤدي إلى عرقلة الملفين الآخرين.

وقد يكون تشكيل الحكومة حجر الزاوية لمقاربة الانتخابات بشكل جدي والحدود بطريقة مسؤولة، فيما استمرار الوضع على ما هو عليه يعني الفراغ حكومياً والتسيّب حدودياً والتمديد نيابياً، وبالتالي دخول لبنان في المجهول الذي يتراوح بين الفوضى وعدم الاستقرار وبين الحرب الأهلية.

فلبنان الذي يقف على مشارف مرحلة دقيقة وخطيرة تستدعي معالجات جدية وفورية يستفيد من عاملين أساسيين: الأول، خارجي يتقاطع على عدم تفجير لبنان، والثاني، داخلي يتقاطع على إبعاد الحرب، والدليل أن اللحظة التي شعر فيها “حزب الله” أن هيمنته المطلقة على القرار السياسي ستقود إلى الحرب تراجع إلى وضعيته السابقة، ولكن التقاطعين الداخلي والخارجي غير كافيين لإبعاد شبح هذه الحرب ما لم يُصر إلى تحصين الوضع الداخلي سياسياً وأمنياً، لأن الفراغ معطوف على الأزمة السورية والتعبئة السنية-الشيعية يتطلب معالجات عملية وعميقة تفوق نوايا الخارج ورغبات الداخل.

ومن هذا المنطلق بات ملحاً فكفكة صواعق الملفات الثلاثة تمهيداً للدخول في مرحلة انتقالية مستقرة وآمنة.

أولاً، على مستوى الحدود: التحذيرات المتكررة لقوى 14 آذار من خطورة التورط في الأزمة السورية لم تكن عن عبث، وقد أثبتت الأحداث أن القتال في الجانب السوري من الحدود انتقل إلى الجانب اللبناني، ولا شيء يمنع من انتقاله في أيّ لحظة إلى العمق اللبناني في ظل مواجهة مكشوفة بين “حزب الله” الشيعي و”الجيش الحر” السني، ونازحين سوريين بعشرات الآلاف وديموغرافية سنية أصبحت ضعف الديموغرافية الشيعية بفعل العاملَين الفلسطيني والسوري.

وإذا كان أيّ انتهاك للسيادة اللبنانية مرفوضاً من أي جهة أتى، إلّا أن الاستنكار غير كاف ما لم يقترن بخطوتين عمليتين: وضع الحدود اللبنانية-السورية تحت مسؤولية الأمم المتحدة وإشرافها انطلاقاً من القرارات 1559، 1680 و1701، فضلاً عن أن الحرص الدولي على استقرار لبنان والمنطقة لا يمكن ترجمته إلّا عبر إجراءات رادعة. والخطوة الثانية فك “حزب الله” ارتباطه العسكري بالحرب السورية كون هذا الارتباط يعطي “الجيش الحر” الحجة لقصف لبنان والمواجهة مع الحزب في سوريا ولبنان معاً.

ثانياً، على مستوى الحكومة: القاعدة الأساسية التي على أيّ رئيس حكومة اتباعها في التشكيل نيل حكومته ثقة مجلس النواب، ما يجعل مشاوراته وتواصله مع القوى السياسية مسألة بديهية لتحديد شكل حكومته، هذا الشكل الذي فرض نفسه بشكل أو بآخر نتيجة عدم قدرة النائب وليد جنبلاط على الاتفاق مع 14 آذار على التأليف أيّاً يكن شكل هذه الحكومة نظراً لـ”الوعد” الذي قطعه لـ”حزب الله”، وكون ميزان القوى القائم لا يسمح له بالتراجع عن هذا الوعد، ما أدى إلى حصر الخيارات باثنين: تعذّر التشكيل، أو تأليف حكومة سياسية.

وبما أن “حزب الله” في حاجة أكثر من غيره للتشكيل، وبما أن القاعدة التي كانت وضعتها 14 آذار تتمثل في حكومة تكنوقراط، على الرئيس المكلف التوفيق بين حكومتي الوحدة والحيادية بالذهاب نحو حكومة سياسية وزراؤها من غير الحزبيين والمرشحين للانتخابات والذين يجب أن يتم اختيارهم من قبل القوى السياسية.

وفي هذا السياق يجب التمييز بين حكومة تكنوقراط يختار رئيسا الجمهورية والحكومة وزراءها، وبين حكومة سياسية تستدعي من رئيس الحكومة التشاور مع القوى السياسية لنيل ثقتها أولاً، ومن ثم الاتفاق مع هذه القوى على الأسماء التي تقترحها انطلاقاً من شرطين: عدم إصرار حزب معين على اسم يستفز رئيس الحكومة الذي لا يمكنه التعاون معه، وعدم إصرار رئيس الحكومة على تسمية وزير حزبي من دون العودة إلى حزبه، في خطوة تؤدي إلى ضرب المركزية داخل الأحزاب وتفقدها القدرة على التحكم بسياساتها.

ثالثاً، على المستوى الانتخابي: لم تعد الأمور في هذا الملف تحتمل اللف والدوران، كونها باتت أكثر من جليّة، وأيّ عرقلة تعني أن أصحابها يريدون تعطيل الانتخابات لا الوصول إلى قانون انتخاب. فالستين مرفوض من قبل أوسع شريحتين داخل الطائفتين المسيحية والشيعية، والارثوذكسي مرفوض من قبل أوسع شريحتين داخل الطائفتين السنية والدرزية، وبالتالي “العلك” في هذين الموضوعين هو مضيعة للوقت، وأيّ كلام جدي يجب أن يرتكز على المختلط القادر وحده على توفير قاعدة توافقية بين القوى السياسية، وبعد موافقة مكونات 14 آذار زائد بكركي على هذا المشروع ويجب حشر “حزب الله”-عون لانتزاع موافقتهما، وإلّا تحميلهما مسؤولية تطيير الانتخابات.

لا يمكن تحييد الساحة اللبنانية عن تداعيات الأزمة السورية، ولا تجنيب لبنان حرباً أهلية جديدة، إلّا في حال تم التوافق على تشكيل الحكومة وإقرار قانون الانتخاب وضبط الحدود اللبنانية-السورية…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل