بري: ما قبل الطائف شيء وما بعده شيء والتكنوقراط غير موجود في القاموس الحكومي

يبدو ان للرئيس المكلف تمام سلام طريقته في تأليف الحكومة، وهو يختلف في هذا الاسلوب عن أسلافه مستفيداً من تجاربهم في ولادة الحكومات وخصوصاً بعد الطائف، مع علم الجميع أن البك لا يستطيع تطبيق ما كان يفعله والده الرئيس الراحل صائب سلام من دارته في المصيطبة لأن الظروف تغيرت والاحوال السياسية تبدلت ووزير اليوم لم يعد مثل وزير الامس. وهذا الكلام ليس انتقاصاً من الذين تسلموا هذا المنصب الذي يغري الكثيرين في هذه الايام.

ويعرف افرقاء 8 آذار و”التيار الوطني الحر” ان أسلوب سلام هذا هو لقطع عملية مشوار تأليف حكومته مع علمه سلفاً بأن ثمة عقبات عدة تنتظر التأليف وهذا ما يعرفه عن كثب رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي ينفي بدوره اي فتور بينه وبين الرئيس المكلف. وكانت “النهار” قد سألت سلام عن هذا “الفتور” لدى استقباله وفد نقابة المحررين اول من امس فنفى بدوره هذا الامر. ومرد هذا الكلام أن الرئيس نجيب ميقاتي كان على تواصل مباشر مع عين التينة خلال عملية تأليف حكومته، وكان يطلع صاحبها على حياكة خطوط ثوب الحكومة.

يؤكد بري ان لا مكان لهذا “الفتور” وإن كان يفضل إبقاء خطوط المشاورات مع سلام من باب الدعم والمساعدة كلما دعت الحاجة، التي لم تنته بانتهاء الاستشارات النيابية في المجلس. والهدف من هذا الكلام ان الرئيس المكلف يستطيع التواصل مع هذا الفريق او ذاك بناء على طلبه او طلب الافرقاء لتوفير الدعم المطلوب واجراء الاتصالات التي تساعد في التأليف على غرار اللقاء الاخير الذي جمع سلام وممثلي 8 آذار من باب التسهيل ولخلق ظروف افضل تساعد في اطلاق الحكومة.

اما الرسالة الابرز التي يوجهها بري في هذا الشأن من خلال قوله لـ”النهار” في عملية التأليف وهي ليست موجهة حصرا الى سلام: “ان ما قبل الطائف شيء وما بعده شيء آخر”. وقطعاً للطريق على المنادين بوزراء تكنوقراط في مثل المرحلة، يبدو ان لا شيء ايضاً في قاموس بري اسمه تكنوقراط.

ويقول: “دلوني على اسماء تكنوقراط صافية، وماذا كان سيفعل هذا النوع من الوزراء على سبيل المثال في مواجهة ما حصل اخيراً في بلدات قضاء الهرمل من جراء الاعتداءات الاخيرة من المسلحين السوريين وكيف سيتعاطى هؤلاء مع ملفات امنية عدة في اكثر من منطقة؟”.

ويعطي بري لسلام المجال او الحق في اعلان انه لا يريد ترشح اعضاء حكومته الى الانتخابات النيابية لأنه يطبق هذا الامر على نفسه “لكنه لا يستطيع ان يعلن انه ليس رجلاً سياسياً”.

ويلتقي كلام بري هنا مع الموقف الذي اكده “حزب الله” في هذا الشأن على لسان رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد.

من جهة اخرى، لا يحبذ رئيس المجلس الضغط على سلام اكثر في تأليف الحكومة وانه لا يزال لديه متسع من الوقت ولا يريد “اغراقه” في التسميات او العناوين التي ستلي الجملة المكملة لهذه الحكومة من نوع: وطنية، وفاق، لمّ الشمل او جامعة، لأن المهم عند بري الذي خَبِر تأليف الحكومات منذ منتصف الثمانينات من القرن الفائت الى اليوم “هو ان تكون الحكومة السلامية ممثلة لجميع الأطراف ولا اريد ان اتكلم اكثر”.

وعند تكرار السؤال عليه، يرد: “إذا لم تكن هناك نصوص تشدد على التوافق فيجب خلقها، وخصوصاً إذا اجتمعت النصوص مع ضرورات هذا الواقع، والظروف التي يعيشها البلد تفرض نفسها على المشهد اللبناني للتوصل الى حكومة جامعة تنطبق عليها هذه المعادلة الرياضية”.

ورداً على “الخائفين” ولاسيما من قوى 8 آذار من “عدم ثبات” رئيس “جبهة النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط الذي أكد انه لن يسير بحكومة من دون موافقة حركة “أمل” و”حزب الله”، يبدو ان بري لا يعير هذا الكلام أي اهتمام، لأن لديه كل الثقة والاطمئنان برئيس الحزب التقدمي والكلام الذي أطلقه في هذا الشأن.

ولدى سؤال بري ثانية ان موقف جنبلاط قد يتبخر وسيكون سراباً وهذا ما يخشاه كثيرون في فريقكم؟ يجيب بعد ابتسامة: “جنبلاط لا يلعب في مثل هذه القضايا وهو لا يدير ظهره لي ولا يطعن، ومعروف عني اني أبادله الصدق والصراحة وانصح كثيرين بأن يطمأنوا ولا يراهنوا على وقوع خلاف بيني وبين أبو تيمور”.

وللذين توقعوا حصول خلاف بينهما اثر الجلسة النيابية العامة الاخيرة التي ناقشت موضوع “مهل الترشيحات” وما فعله نواب “جبهة النضال”، فقط عُلم ان اتصالاً أجراه بري مع جنبلاط وشرح له حيثيات ما حصل وان الاتفاق الذي تم بين الكتل كتب بخط يد النائب بطرس حرب. والمفارقة بعد الجلسة ان جنبلاط لم يكن “زعلان” من رئيس المجلس، بل صب جام غضبه على نواب كتلة “المستقبل” الذين استوعبوا ردة فعله وخصوصاً في ايام تأليف الحكومة.

ويحرص بري على ترطيب الاجواء مع صديقه جنبلاط كلما دعت الحاجة وسنحت الفرصة، إذ يتناول مواقفه بخليط من الود والتفهم، سواء كان البك في المختارة أو ايرلندا. ويمازح جنبلاط بأنه سيعود بخبرات أكثر من زيارته الى بلفاست واستثمار نتائجها في المختبر اللبناني لأنه اطلع على تجارب علاقات الكاثوليك والبروتستانت في هذه المدينة.

وفي الحديث عن الحكومة وجنبلاط في اللقاء الذي جمعه وشخصيات، يأخذه النائب ياسين جابر الى اوضاع النازحين السوريين والدور الذي تلعبه النبطية وبلديات الجنوب في هذا الشأن. ويقول بري: “مهما كانت التحديات علينا دعم هؤلاء وتوفير المساعدة لهم قدر الامكان. هم أهلنا ومن واجباتنا الوقوف الى جانبهم”.

ويستغرب في المقابل البطء العربي في دعم النازحين في لبنان، ويسأل عن مؤتمر المانحين للشعب السوري الذي استضافته الكويت في أواخر كانون الثاني الفائت والارقام التي رصدت لهذه الغاية والتي لم يتلق منها لبنان شيئاً حتى الآن. هذا الكلام نقله اليه قبل ايام ديريك بلامبلي الذي قال له ان “الاموال التي تأتي مصدرها بلدان الغرب حتى الآن، والدول العربية لم تشارك في هذا الاطار ونحن في انتظارها”.

وينتقل بري من مسألة النازحين الى حمامات الدم في سوريا وكيف ترتكب المجازر وتقطع الرؤوس “باسم الاسلام والدين الحنيف”.

وعندما تفتح له فتاوى “جهاد النكاح” في المناطق التي يسيطر عليها المعارضون والمسلحون يقفل الموضوع غاضباً.

وفي تصريح لـ”السفير”، أكد الرئيس نبيه بري عدم وجود أي فتور في العلاقة مع الرئيس المكلف تمام سلام، لافتا الى ان “للرجل طريقته في إدارة ملف تشكيل الحكومة، علماً اننا نعتبر انه من الأفضل توسيع دائرة التشاور كلما اقتضت الضرورة ذلك، لأنه ليس صحيحاً ان هذه الدائرة تُقفل مع انتهاء الاستشارات النيابية التي يجريها عادة الرئيس المكلف في المجلس، وما كان يصح قبل اتفاق الطائف لم يعد يصح بعده”.

ورأى بري أن “الرئيس المكلف يستطيع أن يطلب شخصياً التواصل مع هذا الفريق او ذاك، تبعاً لمقتضيات تأليف الحكومة، وهذا لا يشكل أي انتقاص من صلاحياته ودوره”، مشيراً الى ان “وفد “8 آذار” الذي زار مؤخرا سلام في دارته في المصيطبة، هو الذي بادر الى طلب موعد للقائه، رغبة في التسهيل وتبادل الافكار ووجهات النظر، من دون أحكام مسبقة”.

ولا يتردد بري في رفض فكرة تشكيل حكومة التكنوقراط جملة وتفصيلا، مشدداً على ان “مثل هذه الصيغة لم تعد واردة منذ إقرار اتفاق الطائف”. وإذ يتساءل عما يمكن ان تفعله حكومة من هذا النوع في مواجهة الاحداث المتلاحقة على الساحة اللبنانية، يضيف: “في الاساس، هل هناك أشخاص تكنوقراط وحياديون بكل معنى الكلمة.. دلوني عليهم؟”.

وأكد بري ان “سلام مصيب في رفضه توزير أسماء مرشحة الى الانتخابات النيابية لأنه شخصياً ليس مرشحاً، ولا بد من الحفاظ على وحدة المعيار في هذا المجال، ولكن ما ليس من حقه ان يشترط ان يكون الوزراء من غير السياسيين، فيما هو سياسي بامتياز”.

وأضاف: “لا نريد ان نغرق في بحر التسميات.. حكومة وحدة وطنية.. وفاق وطني.. لمّ الشمل.. أو حكومة المصلحة الوطينة، كما أطلق عليها الرئيس المكلف، ولا نريد ان نتحدث عن الثلث المعطل او ما شابه، المهم ان يحصل توافق على حكومة سياسية جامعة، حاضنة للجميع ومُحتضَنة منهم، وإذا لم تكن هناك من نصوص دستورية تغطي هذا الامر لوجب في هذه الظروف ان نوجدها، فكيف عندما يجتمع النص مع ضرورات الواقع، كما هي الحال الآن”.

ولئن كان بعض أفرقاء 8 آذار يعتبرون انه لا يمكن الركون الى ثبات موقف النائب وليد جنبلاط، الذي سبق له ان رفض منح الثقة لأي حكومة لا تضم كل الاطراف، إلا ان بري يؤكد انه مطمئن، من ناحيته، الى موقف جنبلاط “الذي كنا قد اتفقنا معه على ضرورة تشكيل حكومة توافقية، وهو لا يدير ظهره لنبيه بري كما انني لا أدير ظهري له، وحتى جلسة تعليق مهل الستين، كنت حريصاً على وضعه في أجوائها، واتصلت به شارحاً له حيثياتها”.

ويتابع بري مبتسماً: “لقد ذهب وليد جنبلاط الى بلفاست “ايرلندا” للإطلاع على تجربة المصالحة بين الكاثوليك والبروتستانت، وأعتقد انه سيعود الى لبنان متأثراً جداً بها”.

المصدر:
السفير+النهار

خبر عاجل