مع التهدئة الواضحة على المحور الأميركي – الإيراني وما يتسرب من معلومات عن مفاوضات سرّية بشأن الملف النووي الإيراني والعراق وتحييد لبنان، ومع تقاطع المصالح الإقليمية – الدولية على تنفيس الاحتقان الشيعي – السنّي حالياً، وجدت قوى “8 آذار” نفسها محشورة في الزاوية مما دفعها الى اعتماد مرونة مزيّفة تجلّت مثلاً في مشاركتها بتسمية النائب تمام سلام لرئاسة الحكومة لتماطل في كل الخطوات اللاحقة حتى لا تتشكل حكومة قبل ضمانها قانون انتخاب يؤمن لها أكثرية مريحة تتيح لها مواصلة التحكم بمسار البلاد أو على الأقل الحفاظ على مصالحها الحيوية وفي مقدمها حماية سلاح “حزب الله” باعتباره الورقة الوحيدة التي لا تزال إيران تمتلكها للمطالبة بدور إقليمي وازن.
ويشير ديبلوماسي لبناني سابق الى “تفاهم اقليمي – دولي” تجلى في توقيت استقالة الرئيس نجيب ميقاتي، بغض النظر عن الذريعة التي اعتمدها لتبرير خطوته، أي فشله في التمديد للواء أشرف ريفي في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، التي كانت قوى 8 آذار تستبعدها، كما تجلّى في مشاركة “قوى 8 آذار” في تكليف سلام رغم اعتراضاتها على إعلان تسميته من “بيت الوسط” وبعد لقائه الرئيس سعد الحريري في الرياض وفق ما ورد صراحة على لسان النائب سليمان فرنجية.
ويعزو المصدر موقف إيران في التفاهم الاقليمي – الدولي الى رغبتها بتعويض خسائر “حزب الله” الكبيرة في سوريا وما يمكن ان تولده من استياء داخل جمهوره، عبر تأمين حمايته المحلية حتى لا تخسر ربيبها الوحيد المتبقي بعد اقتراب موعد فقدانها للنظام السوري وبعد أن خسرت حركة “حماس” التي كانت تدور حصراً في فلكها. فإيران هي التي دفعت “حزب الله” الى المشاركة العسكرية في الحرب الدائرة على الاراضي السورية تحت غطاء حماية الشيعة اللبنانيين الذين يقطنون في قرى سورية حدودية أو غطاء حماية المقامات الدينية في دمشق.
أما الولايات المتحدة التي لم تعد راغبة بالتورط عسكرياً خارج أراضيها بعد تجاربها في أفغانستان والعراق فتسعى الى بقاء النار محصورة في سوريا بما يستنزف النظام ومعارضيه من “الجهاديين” خصوصاً، وهو ما يستجرّ بالتالي اهتماماً في الحفاظ على استقرار دول الجوار وفي مقدمها لبنان.
فمع انحسار الدور الأسدي المباشر في لبنان بعد اندلاع الثورة على أراضيه، وفي هذه المرحلة، تقاطعت المصالح الحالية لكل من إيران والولايات المتحدة بحماية استقرار لبنان حتى لا يكون انتقال النار السورية الى أراضيه مقدمة لتوسعها إلى سائر دول الجوار السوري.
ويلفت المصدر الى أن تشجيع النائب وليد جنبلاط لميقاتي على الاستقالة وترويجه لتمام سلام أتى نتيجة خط التهدئة لمنع الانفجار خصوصاً مع الحماوة المتزايدة على الحدود اللبنانية – السورية والناجمة سواء عن قذائف الجيش النظامي بذريعة ملاحقة “مجموعات إرهابية” أو عن قذائف “الجيش الحر” رداً على مشاركة “حزب الله” في القصف على مواقعه. وكان جنبلاط قد أشار في مقابلة تلفزيونية عشية تسمية سلام الى وجود خلفية إقليمية تسمح بالتوافق على هذه التسمية.
ومن دلائل شعور “قوى 8 آذار” بأنها محشورة في الزاوية هذا الانفتاح الشكلي في الوضع الداخلي الذي لم يسهم حتى الآن سوى في تأمين إجماع على تسمية سلام من دون إن يؤدي، كما تدلّ المؤشرات، إلى تسهيل مهمته في تشكيل الحكومة التي يتطلب إنجازها البدء بالتوافق مع السياسيين على أن يكون بيانها الوزاري مستنداً الى “إعلان بعبدا” الذي سبق أن حاز موافقة كل الأطراف على طاولة الحوار وينص على تحييد لبنان عن المحاور الإقليمية. ويسمح هذا التوافق للرئيس المكلف بمشاركة الجهات السياسية في طرح أسماء عدة لممثليها ليختار منهم، مع رئيس الجمهورية، من يراه مناسباً.
لكن الخلاف شاسع بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف و”قوى 14 آذار” من جهة في نظرتهم القائمة على ضرورة أن تكون حكومة حيادية تشرف على الانتخابات، ونظرة “قوى 8 آذار” المستندة إلى ضرورة أن تكون من السياسيين وفق أحجامهم النيابية.
ويعزو المصدر تمسّك “قوى 8 آذار” بحكومة من هذا النوع الى رغبتها غير المعلنة بتمديد ولاية المجلس النيابي لسنتين على الأقل بانتظار اتضاح مآل الأوضاع في سوريا، لذا فهي تسعى الى حكومة “وحدة وطنية” تدير هذه المرحلة ولا تقتصر مهمتها على انتخابات ستبقى في علم الغيب في ظل عدم التوافق على قانون جديد.
والخلاف بين الطرفين يشمل أولوية إقرار قانون للانتخابات أو تشكيل الحكومة. وهو الخلاف الذي سيمتد بعد طبيعتها الى الحصص والحقائب خصوصاً في ظل تمسك الرئيس المكلف بالعودة الى تطبيق الدستور في تشكيل الحكومات عبر استمزاج آراء الكتل النيابية ثم وضع التشكيلة وعرضها على رئيس الجمهورية ليوقعها ولتمثل أمام البرلمان طلباً للثقة. ويأتي ذلك خلافاً لما اتبع مثلاً مع الرئيس سعد الحريري وحتى مع الرئيس نجيب ميقاتي اللذين تطلّب تظهير حكومتيهما أكثر من خمسة أشهر.