#adsense

باسل فليحان.. “حرقة” الوداع الثامنة

حجم الخط

لكل شهيد من شهداء انتفاضة الاستقلال قصة حياة لها مرّها وحلوها.. لكل واحد من هؤلاء الذين سقطوا أهل وأبناء وعائلات ينتظرون كل يوم أن يعرفوا حقيقة الاغتيال وحقيقة هوية القاتل.. ينتظرون المحكمة الخاصة بلبنان، لتبدأ محاكماتها وتأتي بالمشاركين في الاغتيالات، يحلمون بأن يأتي يوم يذهبون فيه إلى قبور أحبّتهم ينثرون الورود فوقها ليؤكدوا لهم أن العدالة لا تضيع حقاً لهم. هكذا عائلة الشهيد باسل فليحان، تنتظر الحقيقة، كبر ولداه وصارا يحفظان القصص التي روتها والدتهما عن أبيهما الذي استشهد احتراقاً في انفجار “السان جورج”. الشخص الأقرب إلى رفيق الحريري، ذهب معه في رحلة الموت كما كان إلى جانبه في رحلة الحياة.

ثمانية أعوام يجرّون بعضهم، ثمانية فيها التحقيق واعلان المحكمة وتأجيل بدء المحاكمات، وانقلابات سياسية وانتشار السلاح في الشوارع. فيما لهذه الثمانية قصة جديدة كل عام مع ذكرى كل شهيد سقط على مذبح هذا الوطن.

يوم رحيله كان باسل فليحان يودّع هذه الحياة بعدما تأخر عن اللحاق برفاقه شهداء متفجرة السان جورج. فارق الحياة في المستشفى البعيد عن مدينته بصمته المعهود، ولو كان لوجهه القدرة على اظهار شعوره لكان أعطى ابتسامة صغيرة لتركه الألم الذي لا يطاق على هذه الأرض.

توفي باسل من أثر الانفجار الذي دمر كل شيء، صبر كثيراً على الألم علّه يلتقي طفليه ويحادثهما قليلاً.. الرجل الخسارة، وهي ليست بما يمكن أن ينتجه وأن يفعله لحماية اقتصاد لبنان فقط، بل أيضاً لأن الرجل الهادئ والقادم من متاعب الحياة في بيروت لم يترك وطنه في أصعب اللحظات وأصرّ على العودة من سفره قبل يوم ليكون إلى جانب رفيقه.

في المستشفى رأى أصدقاؤه الأطباء حجم الحريق الذي طاول أكثر جسده، حيث لم يترك له أي قدرة على التنفس إلا من خلال أجهزة الانعاش. كمية الألم التي عاشها لم تكن لتطاق او تحتمل فنام أمام ولديه وزوجته في ذلك المكان وحيداً، أخذ دربه إلى السماء مستعجلاً وعيناه معلقتان بالأحبة هنا.

سنوات انتظار العدالة أصعب من السنوات العادية، والخسارة فيها تتضاعف، فكلما سقط شهيد جديد على درب هذه الجلجلة يزداد الألم لدى الأهل هنا. خسائر لم تتوقف، وليس آخرها اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن بعبوة لاحقته إلى مخبئه السري. خسر لبنان الكثير من الرفاق، من سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وانطوان غانم وفرانسوا الحاج ووسام عيد وغيرهم المئات من المواطنين وعناصر الجيش اللبناني. سنوات ثماني كانت فيها الحرب تتلو فعل القتل، بعبوات ورصاص واحتلالات واعتصامات ومشاهد تقويض انتصار يوم 14 آذار 2005 بهجوم شامل كاد يجرّ اللبنانيين إلى حرب أهلية أو ما يشبهها.
هنا قتل وهناك محكمة دولية تتابع عملها. رصاص وقذائف ومحاولة تحرير بيت المقدس من شوارع بيروت إلى شوارع طرابلس والقصير ودمشق، فيما تغيب أيقونة الحفاظ على السلم الأهلي التي تغنى بها اللبنانيون طويلاً مع نهاية الحرب الأهلية.

الأعوام تمر سريعاً ولكن التغيير صعب وطويل، في تونس رحل القائد المؤبد، وبقي الاهتراء ليتواجه مع الناس في صراع سيطول، وفي القاهرة تتقدم الثورة بطيئة بانتظار اقتناع الناس جميعاً بالحرية والديموقراطية وحقوق الانسان، فيما سوريا تنهشها صواريخ “سكود” والتفجيرات الانتحارية، ويموت الناس في أسوأ حرب أهلية تعيشها المنطقة.

ليس من السهولة أن تنتظر عدالة وقتاً طويلاً، وليس سهلاً أن يقتل ابنك ورفاقه في خطة لمنع العدالة. الانقسام السياسي الحاد في لبنان لم يكن عادياً لانه ارتبط بانقسام اجتماعي طائفي بدلاً من أن يحتفظ بمكانته كخلاف يبدأ في قاعات المجلس النيابي وينتهي بنقاشات عادية في الشارع بين الناس. هذه المرة اختلفت اللعبة أخذوا إطار السيارة إلى الشارع ورموا فيه مواد حارقة وأفلتوه بين المواطنين. كان القرار واضحاً إما إشعال ما تيسر من قضايا أو الصمت عن الكثير من الأمور. أشعلوا طرابلس بالرصاص والقذائف، كما حوّلوا صيدا إلى مدينة للرعب، فيما لم يتركوا شيئاً إلا وانقلبوا عليه.

صار الصامتون أكثر من القوالين من جهة، وصار القوالون أكثر من الصامتين في الطرف الآخر، إنها معادلة صعبة أن ترى الاعتداء على الناس في مكان ما وتمنع نشر الخبر لأنك تريد الحفاظ على البلد وما تم من تحسينات فيه.

بعد استشهاد فليحان بأيام قليلة رحل الاحتلال السوري من لبنان، وصاية حملت جنودها وأخذت معها سلاحها المهترئ، لكنها أبقت على أظافرها وأنيابها تنهش ما استطاعت في أوقات الفراغ والضياع بين البيت وبين طريق العمل.

أخذوا السلاح وحولوه لقتل الشعب السوري، وتهجيره وتدمير قراه ومدنه.. إنه سلاح “الممانعة”، والرقص فوق جثث المواطنين السوريين واللبنانيين والفلسطينيين.
يوم رحلت الوصاية كان سمير قصير ما زال في ساحة الشهداء يكتب قصيدة التظاهر ويحضّر للانتخابات النيابية مع رفاقه الياس عطالله وسمير عبد الملك ووليد عيدو وجبران تويني وكثيرين غيرهم. كان يجلس هنا ايضا شبان ممن ناضلوا طويلاً، لكنهم في النهاية رحلوا مع رجل رأى ان الحل صار يأتي من الشرق بدلاً من نضاله مع رفاقه ومواطنيه، صار الرجل يشتم السياسيين الذين لا يوافقونه الرأي وكذلك الاعلاميين والمؤسسات الاعلامية، فصارت الشتيمة مدرسة لها رجال وأفعال.
الأصدقاء الذين أضاؤوا شموعاً حين كان باسل في المستشفى يعرفون ان الخَسارة لا يمكن تعويضها، والأم التي تربي صغيرين تعرف ان الحمل ثقيل، ولكن هناك من في السماء يحنو على طفليه من البعيد ويطل عليهما يومياً. الوالدة هنا في بيروت، بكته طويلاً ولكنها في المرة الأخيرة تركت الانتظار وذهبت إلى جانب ابنها تحدثه عن الورود التي أتت بها خلال الأعوام الماضية.

في الساحة القريبة من “السان جورج” قرب وسط بيروت وعلى مدخل البحر، ذهب الحريق بجسد باسل فليحان، أخذ منه الكثير، انتظر هو أربعة وستين يوماً لترتفع روحه إلى السماء.

يوم 16 شباط 2005 أشعل الشبان الواقفون قرب صورة باسل في السان جورج، شموعاً وصلّوا له، وكذلك حملوا شعاراتهم من هناك باسمه باتجاه ضريح الرئيس الشهيد في تظاهرة أيقظت فئة جديدة من الناس الذين غيّروا معالم الثورات والانتفاضات. كانوا كل ليلة يصلّون لـ”باسل”. يصرخون: “الله معك يا باسل”. حيث كان الجميع يعرف أن آلامه لا يتحملها أحد، وأن الانكسار لا يليق بمن صار جبلاً في عطائه.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل