Site icon Lebanese Forces Official Website

المناخ الاقتصادي الدولي ملبّد

التوقعات الاقتصادية للكتل الكبرى في العالم، أي شمال أميركا، دول الاتحاد الاوروبي، ودول مجموعة البريكس التي باتت تشمل جنوب افريقيا الى الصين والهند والبرازيل وروسيا، لا تبدو متفائلة، ومعدلات النمو المتوقعة لهذه السنة ضعيفة نسبياً.

ذلك ان الصين قد تحقق في أحسن حال معدل نمو على مستوى 8 في المئة بدل 9 أو 9,5 في المئة سنويا كما كان الوضع قبل عام 2010 وتأثيرات الازمة المالية العالمية. والولايات المتحدة لن تنمو بمعدل يفوق الـ2 في المئة كما ان معدلات البطالة لن تنقص بالسرعة المطلوبة. أما كندا، فعلى العكس قد تحقق معدل نمو على مستوى 3 في المئة انما حجم اقتصاد كندا بالنسبة إلى الولايات المتحدة لا يزيد على نسبة 10 في المئة، وتالياً لن يتجاوز معدل نمو شمال أميركا مع تثقيل نسب حجم الدخل القومي للولايات المتحدة وكندا نسبة 2,1 في المئة وهي نسبة متدنية.

دول الاتحاد الاوروبي لا تزال تعاني مصاعب مالية واقتصادية. واستناداً الى توقعات دوائر الاحصاء في البلدان الاوروبية الرئيسية ولدى منظمة التعاون الاقتصادي والانماء التي تشمل جميع الدول الاوروبية اضافة الى دول اخرى، سيكون معدل النمو في أوروبا سلبياً سنة 2013، ولن يتجاوز الـ1 في المئة سنة 2014، وهنا يجب الاشارة الى ان الدول الصناعية الكبرى لا تزال تعاني آثار الازمة المالية العالمية التي أخرت نموها منذ عام 2009 بأكثر من 12 في المئة، أي ما يوازي بحجم الانتاج لهذه الدول 6 تريليونات دولار، وهذا رقم ضخم.

والى العرض السريع الوارد اعلاه، لا بد من الاشارة الى ان معدل النمو في الهند، ثاني اكبر اقتصاد من مجموعة البريكس، تدني من نسبة 7 و8 في المئة خلال السنوات المنصرمة الى مستوى 3 – 4 في المئة سنة 2013. والهند تعاني نقصاً في أرباح شركاتها التقنية، ولا سيما منها شركات البرامج المعلوماتية وشركات تسهيل الاتصالات الدولية، وقد هبطت أسعار أسهم هذه الشركات خلال هذه السنة بنسبة 25 في المئة.

روسيا هي أيضا تشهد انحساراً لمعدلات النمو. فقد اصبح النمو المتوقع لهذه السنة بحسب تصريحات نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية على مستوى 3 في المئة بدل 7 في المئة المعدل المتحقق في السنوات السابقة. وكانت روسيا من الدول الأولى التي تجاوزت نتائج الازمة المالية العالمية التي انطلقت في 2008، اذ استعادت زخم النمو بدءا من النصف الثاني من 2009. وكذلك الامر بالنسبة الى البرازيل الدولة العضو في مجموعة البريكس والتي تسارعت فيها ظاهرة التضخم التي كانت في السابق مشكلتها الرئيسية، والى حد ما وضعا البرازيل وروسيا متشابهان من حيث توقعات اسعار النفط. وروسيا كذلك قلقة من أسعار الغاز التي بدأت بالانخفاض السريع، نتيجة توافر كميات غاز كبيرة في الولايات المتحدة سمحت بكفاية حاجات المستهلكين دون استيراد للغاز.

ثمة مؤشرات لكون روسيا صارت مستهدفة في مداخيلها من النفط والغاز، فهي ثانية كبرى الدول المصدرة للنفط بعد السعودية، وكبرى الدول المصدرة للغاز، وفي عام 2012 طالبت شركات انتاج الكهرباء الألمانية التي تعتمد على الغاز الروسي بخفض اسعاره، كما فعلت شركات فرنسية، وكانت النتيجة خفوضات بلغت 7 مليارات دولار. ومع انخفاض أسعار النفط، الامر الذي تبدى حديثاً مع تباطؤ النمو الاقتصادي في الدول الصناعية، والذي أدى الى انخفاض سعر النفط المرتكز على قاعدة تسعير نفط تكساس من 110 دولارات البرميل الى 87 دولاراً. وفي حال استمرار هذا الانخفاض، ستكون خسارة روسيا من دخل تصدير النفط والغاز على مستوى 58 مليار دولار وهذا الرقم بالغ  الاهمية لروسيا.

لقد اقرت روسيا برامج انفاق ضخمة سواء للتحضير للاولمبياد الشتوي في سوتشي، أو التسلح، أو ترفيع انتاج الكهرباء وتوزيعها بعشرات المليارات من الدولارات. ولولا تمتعها باحتياط يزيد على 800 مليار دولار، لكانت عانت مشاكل في اقرار موازنات تخدم التعجيل في معدلات النمو. وبعد كل ذلك، بات على روسيا التحوط للمستقبل بدقة لان تدني العائدات من النفط والغاز قد يدوم فترة ملازمة لفترة الانكماش الدولي وخصوصاً الانكماش الاوروبي.

في مقابل هذه الصورة السوداوية، التي لها مفاعيل جيوسياسية، تبدو اليابان كأنها الدولة الصناعية الرئيسية الوحيدة التي حققت انقلاباً في التوقعات. ذلك ان اليابان كانت تعاني ركوداً مدى سنوات، ومنذ فترة قريبة وبعد انتخاب رئيس جديد للوزراء اعتبر من الضروري زيادة الانفاق وتحقيق معدل نمو على مستوى 2 في المئة حتى لو كان الثمن انخفاض سعر صرف الين، بدأت ملامح الأمرين تظهر. فسعر الين انخفض خلال بضعة أشهر من 76 يناً الدولار الى 97 يناً، أي بنسبة 27,6 في المئة، وارتفعت صادرات اليابان واستعادت تحقيق الفوائض على حساب ميزان المدفوعات، وصارت مؤشرات النمو تفيد عن امكان تحقيق معدل 2 في المئة سنة 2013، وهذا المعدل لليابان، يوازي النمو بمعدل 4 في المئة في الولايات المتحدة لان اعداد الاميركيين تتزايد بنسبة 1,5 في المئة سنوياً، في حين ان اعداد اليابانيين، وهذه مشكلة رئيسية تواجههم، تنقص بنسبة 2 في المئة سنوياً.

اضافة الى مشكلة تناقص عدد السكان في اليابان، هنالك مشكلتان في وجه تحقيق معدلات نمو أعلى في المستقبل، أو حتى المحافظة على معدل نمو هذه السنة.
المشكلة الأولى تتمثل في نسبة المسنين في اليابان. فمن تزيد أعمارهم على الـ60 يمثلون نسبة 35 في المئة من السكان ونسبة الشباب من مجموع السكان في انخفاض مستمر. والشباب هم العنصر الاساسي لتوقع زيادة الانتاج، وهذه المشكلة حيوية لليابان، وسبل معالجتها تشغل الحكام لوقت طويل.

المشكلة الثانية أساسية إنما قد تكون قصيرة الأمد. فاليابان، على صعيد الاستثمار والانتاج والتصدير، تحقق نسبة 15 في المئة من عائداتها من استثماراتها في الصين وصادراتها الى الصين، وبسبب النزاع على جزر قاحلة بين البلدين انطلقت أزمة كادت توحي بامكان حصول مواجهات عسكرية. وفي الصين قاطع الصينيون المنتجات اليابانية حتى تلك التي تنتج في بلادهم مثل سيارات نيسان وتويوتا وهوندا، لكن تطورات التشنجات في جنوب شرق آسيا حولت الانتباه نحو موضوع كوريا الشمالية. والصين تتخذ مواقف أقرب الى اليابان من هذا الموضوع، وربما كانت القوة التي تنتزع الحل لمشكلة كوريا الشمالية، وعندئذ قد تصير تشنجات الجزر الجرداء بين الصين  واليابان من الماضي في وقت قريب.

Exit mobile version