#adsense

عسيري لـ”اللواء”: على لبنان عدم إضاعة فرصة عودة الاستثمارات والاحتضان العربي

حجم الخط

كتبت رلى موفق في صحيفة “اللواء”:

قبل أن يستقيل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، منهياً مرحلة من الانقلاب السياسي في البلاد الذي قادته سوريا وإيران وحلفاؤهما اللبنانيون، كان ثمة اقتناع بأن لبنان متروك لقدَره في ظل انكفاء المملكة العربية السعودية ومعها دول الخليج العربي والغرب عن الساحة، ما جعله في عزلة عربية ودولية أرخت بثقلها على الواقع الداخلي برمته، دفع بنتيجتها ثمناً باهظاً ليس سياسياً فحسب، بل اقتصادياً واستثمارياً وسياحياً واجتماعياً.

مع الاستقالة، تغيَّر المشهد بتغيُّر الموازين. وشهدت البلاد زخماً في الحركة الدبلوماسية السعودية. ولكن ثمة تساؤلات جوهرية تدور في الأوساط السياسية، على مختلف مشاربها وانتماءاتها، حول ماهية الدور الذي يمكن أن تلعبه المملكة راهناً، والأهم ظروف هذا الدور وحدوده والمرتجى منه، ولا سيما أن شعوراً يسود المراقبين بأن مناخات الانفتاح والتهدئة والانفراج تتسم بكثير من الهشاشة بغياب أرضية توافقية حقيقية، وكونها ليست نتيجة حتمية لتسوية سياسية.

في خضم التحولات، ذهبت بعض التحليلات إلى أن هناك اتفاقاً أميركياً – روسياً وسعودياً – إيرانياً على تحييد لبنان عن أتون الصراعات الدائرة في المنطقة، ولا سيما عن انعكاسات النزاع في سوريا، حيث أن لا مصلحة لأحد في تفجير الساحة اللبنانية على خلفية الصراع المذهبي الذي سيدخله في حرب أهلية تقضي على نسيجه الداخلي، نظراً إلى التداخل الديموغرافي، ولن تنحصر ارتداداته عند حدوده بل ستتعداه إلى دول المنطقة.

المعلومات تتقاطع حول وجود إجماع إقليمي ودولي على ضرورة تحييد لبنان والحفاظ على الأمن والاستقرار فيه، بغض النظر عن مواقف  تلك الأطراف من القضايا الخلافية، سواء بالنسبة إلى البرنامج النووي الإيراني أو النزاع السوري أو بالنسبة إلى واقع موازين القوى في المنطقة، غير أن لا مؤشرات ملموسة على وجود  اتفاق رباعي على إيلاء المملكة  هذه المهمة، بقدر ما أن الظروف السياسية الإقليمية والتطورات الميدانية هي التي فرضت واقعاً جديداً.

في قراءة السفير السعودي علي عواض عسيري أن الظروف السابقة لم تكن مهيأة للبنانيين لأن ينتقلوا إلى مرحلة جديدة. ولكن مع استقالة ميقاتي قرروا ذلك، الأمر الذي تجلّى بالإجماع على تكليف النائب تمّام سلام تأليف حكومة جديدة. تحرّكت المملكة في اتجاه تدعيم هذا الإجماع، وهو إجماع باركته من خلال رسالتيّ العاهل السعودي وولي العهد للرئيس المكلف. لكن عسيري، الذي لم يجتمع بالرئيس المكلف منذ أن نقل رسالتي التهنئة، يرسم خطاً واضحاً ما بين الدعم الذي لن تألو المملكة جهداً عن تقديمه للبنان، وبين التدخل في شأن تأليف الحكومة التي يجب أن تشكل للبنانيين فرصة لأن يبدأوا مساراً جديداً بعيداً عن منطق التدخل الذي كان سائداً في الحقبة الماضية، وفرصة ليتيقنوا أهمية التوافق على حكومة توحي بالثقة والاستقرار، وتفتح باب المصالحة الوطنية والحوار ودرء الفتنة والتفاعل الإيجابي بين مختلف القوى السياسية. ذلك  أن تعزيز هذا الاتجاه سيعيد الثقة  بلبنان عربياً ودولياً، ويمهد الطريق أمام  عودة الاحتضان العربي والدولي له، وعودة الاستثمارات إليه، والأهم توفير الظروف المناسبة للدول المانحة للإيفاء بالتزاماتها  المالية ولا سيما في ما خص النازحين السوريين إلى لبنان.

وليس أدل على المكاسب التي يحققها لبنان من جرّاء أجواء الانفراج، الاندفاعة الخليجية التي بدأ لبنان يشهدها مع بدء تدفق الزوار العرب إليه وحجم الحجوزات التي بدأت الفنادق تسجلها حيث أنه من المتوقع أن يتخطى عدد السيّاح الخليجيين في الصيف عتبة المليون إذا استمر الوضع الأمني مستقراً وترسّخ التوافق السياسي.

على أن التجربة السابقة التي أعقبت فشل معادلة السين – سين وانقلاب فريق الثامن من آذار ومن ورائه حلفائه الاقليميين لا تشي بالنسبة إلى فريق من اللبنانيين بإمكان الركون إلى التوافقات في اللحظة الإقليمية الراهنة المليئة بالتجاذبات والصراعات الحادّة، وهي لحظة قد تؤول إلى الانقلاب مجدداً على المسعى السعودي تجاه لبنان.

قراءة يبادلها السفير عسيري بمثل شعبي سعودي يقول: «خذ بيوم السعد حدو». مَثَل يتسلح به السفير السعودي في علاقاته مع المكونات السياسية اللبنانية. فسياسة الانفتاح عنوان للدبلوماسية السعودية، وهو بقناعاته الشخصية، وبما يمثل، تعامل مع مختلف الأفرقاء اللبنانيين من دون تفرقة، ولن يقفل باب سفارته في وجه أحد، لا بل زار، منذ أن عُيّن سفيراً في لبنان، مختلف القوى السياسية من دون أن يستثني أحداً لا في الرابية ولا في حارة حريك. وكان دائماً يتحلى في علاقاته مع «حزب الله»  بمنطق أن  الحوار، رغم الاختلافات، قد يؤدي إلى حل الخلافات.

ولكن ماذا إذا فشل الرئيس المكلف أو أُفشل في الوصول إلى حكومة؟ سؤال يرى السفير السعودي أن جوابه عند الآخرين وليس عنده. بالنسبة إليه، فشل تمام سلام أو إفشاله ليس فشلاً للمملكة، إنه خسارة للبنان من شأنها أن تنعكس عليه سلباً، ويتحمل عواقبها المسؤولون عن إفشاله لا غيرهم. لكنه لا يرى أن  الأمور ذاهبة في هذا الاتجاه  السلبي نظراً إلى ما لمسه من مناخات حلحلة لدى مختلف الأطراف السياسية التي يبدي قناعة أن التطورات التي تدور من حولها لا بد من أن تدفعها إلى الانخراط في مسار المصالحة لا المواجهة في ما بينها، كي لا يعود لبنان إلى المربع الأول من التجاذبات والتداعيات الأمنية.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل