#adsense

لحكومة استعادة الدور الوطني؟

حجم الخط

سقطت حكومة “السراويل” السود بلا أسفٍ أسودَ أو أبيضَ أو أخضرَ أو “برتقالي”، حكومة الفضائح من كل إثم وفضيحة، كُّلّف النائب تمام سلام بما يشبه “الإجماع” وعادت أو كأنما عادت اللعبة الديموقراطية (البرلمانية) إلى مجرى من مجاريها، أو جدول من جداولها، ببطء هنا، وبِتَروٍّ هناك، وبوتائر متفاوتة هنالك. تمام سلام، إبن الرئيس صائب سلام صاحب شعاراته التاريخية (بعد أحداث 1958) ” لا غالب ولا مغلوب” و”لبنان واحد لا لبنانان”… يحاول (مع من رشّحه) أن يؤلف “حكومة” تكون حكومة لبنانية، عربية. تخفف من الإرث الثقيل الذي خلفته حكومة ميقاتي “الطيبة” الفوح والرّوح وعلى مختلف الأصعدة. من حكومة “النأي بالذات” الشعار المزري، الذي رفعه من يُوَجّه أسلحته (المفترض انها موجهة إلى العدو الإسرائيلي) إلى الشعب السوري. بذرائع مذهبية في محاولة لتسعير الفتنة بين السنة والشيعة وصولاً إلى العرب واللبنانيين. ومن شعار “الشعب، الجيش والمقاومة” إلى شعار البحث في دور سلاح حزب إيران وسوريا!؟! المصوب على اللبنانيين منذ عشر سنوات ومن شعار الحكومة “كلنا للعمل (أو كلنا للعمالة) إلى حكومة تستعيد دورها التنفيذي، والوطني والإعماري والسيادي والديموقراطي والاستقلالي. وهي المهمات الجسام (لكي لا نقول المحالة) في ظل ارتباط جماعات 8 آذار. ارتباطاً عضوياً وعمودياً بالوصايتين السورية والإيرانية. فلنقل إنها “المهمة” ولنقل كأنها انتقال (غير انقلابي) من تاريخ إلى تاريخ.

هل يذكرنا ما يحصل اليوم، بالربيع اللبناني، حيث بدا ان الشعب كسر كل الحواجز من خوف، وتردد وفوضى واستغلال وامتهان لكرامته ولوجوده ولارادته ، ام انها حلقة جديدة يراد أن تكون انطلاقته “مموهة” في تكرار ما جرى، في حكومتي الرئيس سعد الحريري والسنيورة. أكثر: بل أن تكون مداورة “براقة” لحكومة جديدة يراد لها الا تخرج على مسلمات “الحزب الالهي”؟

نظن ان السجال الحقيقي يكمن في هاتين العودتين. وهنا، لا نعبأ كثيراً بحديث عن اكثرية جديدة تكونت بانتقال حزب من هنا إلى هناك. هذه لحظة. وَسِمتها عابرة. فالأسس الديموقراطية (البرلمانية) لا تستقيم عادة على عوامل هشة، أو أقليات أبدية، أو أكثريات تكتسب بالحيلة، أو بالقوة، أو بالترهيب. من هنا بالذات تطرح الأسئلة: هل نريد حكومة انتخابات فحسب؟ أم هل نريد حكومة “لعب على الوقت” (في انتظار من سيحسم المعركة في سوريا) أم حكومة تصريف أعمال بلا أفعال….تُخلّف كل القضايا الأساسية وراءها، وتنكب على إدارة نفسها، بلا رؤيا، ولا هدف، ولا استراتيجية. أم نريد حكومة انتخابات حيادية، أم غير حيادية، تبي قانوناً لم يُتفق عليه حتى الآن: سواء نسبياً، أو مختلطاً، أو فرزلياً.. أو رستم غزالياً… أو جماعياً، أو تفتيتياً. أم لا نريد شيئاًَ: لا قانون انتخاب، ولا من ينتخبون. لا فرزلياً ولا من يُفرزلون… لا شيء! لتنهدم الدولة على ذاتها، وعلينا. فهناك حزب الله الذي يعمل ربما على المناورة: أي جعل الأمور تبقى كما هي بواجهة “جديدة” وطنية أو “سياسية” مهددة في كل لحظة بالانهيار، خدمة لانخراطه في دعم النظام القائم في سوريا، ولمكتسباته على الأرض: كانتونه أولاً ولاية الفقيه أولاً أيضاً، والمشروع الالهي أولاً وأولاً بلا منافسة. فالحزب لا يريد حكومة قوية. لا يريد حكومة تحكم. وهذا يعني ان تكون أضعف من أن تكون حيادية، وأوهن من أن تكون سيادية، وأضعف من أن إعمارية وأوهن من ان تكون أمنية، توفر الاستقرار أو حده الأدنى، ومن يظن عكس ذلك يقع في التوهم، أو في تورم الذاكرة… أو الحقيقة. فكيف يمكن أن تقوم مثلاً حكومة “سياسية” إذا كان الحزب لا يؤمن أصلاً بالحياة السياسية. وكيف تكون “وطنية” إذا كان الحزب لا يتمتع بالحد الأدنى من الاختيار الوطني. بل كيف يمكن أن تكون حكومة لبنانية (حتى بالمعنى الفولكلوري) إذا كان الحزب ومعه معظم 8 آذار غير مقتنعين، لا بمصلحة الشعب ولا الجيش ولا عابئين بحدود وطنهم! فأي حكومة هذا يمكن ان تكون وطنية، إذا كان “حزب الله” يتواطأ مع نظام خارجي ينتهك حدوده ويقصف بلده ويقتل ناسه. بل كيف يستمر حزب في التمسك بأنه مقاومة عندما يستخدم سلاحه ضد اللبنانيين وضد الشعب السوري ويعاضد النظامين الإيراني والبعثي على انتهاك أرضه. كيف يقاوم العدو الصهيوني بسلاح المقاومة وبالسلاح ذاته يقاوم إرادة الشعب السوري؟ ولهذا واستبصاراً مما حدث، يمكن استشفاف ما سيأتي: من نافل القول إدعاء ، أن “الحزب” اليوم مستعد لحوار داخل حكومة جديدة (بعدما ألغاه في حكومة مختلطة سابقة) وأي حوار يجري هذا باسم المطالبة بحكومة سياسية، مزعومة، وفي ظل تجذير “لدويلته” المتنامية (ما شاء الله) وتبذير لقوى الدولة المركزية، فكيف يمكن أن يجمع هذا الحزب بين دويلة ميليشيوية كاملة الأوصاف والاستقلالية عن مجموع الشعب والسلطة والحدود. وبين الانخراط في حكومة عمومية (يسمونها وطنية) حتى عبارة “وطنية” بمجازها وتعريفها باتت فضفاضة، مطاطة، لا تعني سوى استمرار التمويه والخدع والتفخيخ والتعمية. ولهذا، يريد حزب الله حكومة تُبقي كل شيء “مستفحلاً” على حاله. مستنقعاً بلا مخارج. فهذا ما يريحه، ويتيح له المضي في مشروعه الذي يحول فيه الدويلة اكثر فأكثر دولة، والدولة الجامعة دويلة. أي المضي في نهش المؤسسات ومذهبيتها، الأمنية، العسكرية، الاقتصادية، التربوية، الخدماتية… يزدردها لقمة لقمة، ذرة ذرة.. بسطوة ماله (حزب الله أغنى مقاومة في العالم) وكتائبه، وجيشه “النظامي” المنضبط تحت لواء خامنئي! (يريد جيشاً لبنانياً غير منضبط وغير نظامي وضعيفاً ومخترقاً، ازاء جيشه ذي الانتماء والقضية … أي تماماً كما فعل ميشال عون عندما حَوّل الجيش اللبناني (وهو الجنرال) مجرد ميليشيا تعلن حروباً اقليمية من خارج منطق الحكومات، والمؤسسات وتعلن حروباً فئوية! وهذا ما فعلته منظمة التحرير مع القوى الأخرى عندما ساهمت بتقسيم الجيش تقسيماً مذهبياً… وهذا ما فعله إميل لحود عندما حوّل الجيش مجرد أداة أمنية في يد المخابرات السورية. من هنا السؤال: قوى الأمن لمن؟ والجيش لمن؟ والشعب لمن؟ حزب الله يريدها كلها من ملحقات كتائبه وحزبه وامتداداته…

وعندما شهدنا الترحيب الأولي(الإستهلالي) بتكليف النائب تمام سلام، وهذا الصخب الشعاري المفاجىء بعناوين “وحدة وطنية” و”توافق”.. وحوار.. تذكرنا مثل هذه المسرحيات الكوميدية التي لعبها الحزب نفسه عندما كُلف الرئيس سعد الحريري وقبله الرئيس السنيورة: كأنما وراء هذا الغبار “التأييدي” الاحتفالي الصاخب، “درس” بليغ: من أين تؤكل كتف الرئيس العتيد. ومن أي جهة يمكن استيعابه ومن أي نقطة يمكن الانقضاض عليه. وليمة كاملة وراء هذه الاحتفاليات اللفظية، عرفناها جيداً… وباتت بلا ستر، ولا قناع، عند هؤلاء الذين “لا تصدقوهم وإن كذبوا”. في هذا الخضّم الذي يكبر ككرة الثلج ينفر (ظاهرياً) سليمان الإبن ويخفف التيار الوطني لهجته ليعلو مع تقدم المشاورات واحتمالات التأليف، هدير آلة حزب الله، (متوازياً مع هدير أسلحته داخل سوريا… وأصوات أهالي ضحاياه في بيئته استنكاراً لسوق أبنائهم إلى القتل). انهما مشهدان يتواتران، لكن بلا “جدلية” فحزب الله في سوريا يتصرف كدولة “كبرى” (لكانتون فاسد) ضمن تحالفات اقليمية دولية (النظام السوري + ايران + سوريا) بحجج لا تختلف كثيراً عن تلك التي ادعاها عندما “غزا بيروت والجبل في 7 أيار”. فكأنه حزب الذرائع وحزب “الحقائق” المطلقة، لا حزب الواقع السياسي. ومن خلال صخب التأييد المزعوم يلعب لعبة مشاريع قوانين الانتخاب: الفرزلي، لأنه عامل تقسيم للقوى. والنسبي لأنه مناورة أو تهديد: يذكرنا بطرح الديموقراطية العددية في وجه المسيحيين والأحزاب الليبرالية. او المختلط بالنسبي، وهو يلعبه ورقة “الابتزاز” يعمق “الخلاف” ويُنوع “الصيغ” ويُضاعف “الزوايا” لكي يُفشّل كل المحاولات: ويفوز من جديد بانتصار تأجيل الانتحابات. أي اما ترك الأمور كما هي مع حكومة تصريف الخراب والفوضى والتبعية والفساد، أو في أفضل الأحوال في حكومة “مختلطة” (لا نسميها وطنية) تعاني مشاكل سقوطها أمام أقل امتحان. ونظن ان حزب الله الذي لا يعبأ لا بوجود الشعب ولا الجيش ولا رئيس الجمهورية ولا الحدود، سيحاول ابقاء كل شيء على ضحالته. على تفككاته وانفصالاته وانعزالاته في الدولة والمؤسسات: حكومة لا تحكم (إلا به) مجلس نواب تحت “فتاواه، وتكليفاته الجهادية والسياسية” وجيش واقع بين سندان العدوان السوري وعدوان الحزب على الأراضي السورية وقوى أمن مرتبكة إلى حد ما بعد اغتيال الشهيد وسام الحسن. بمعنى ما: سيحاول (في حال نجح في فرض حكومة “وطنية” ان يعمق “امتلاكه” الشرعي والمذهبي لكل المفاصل والبنى القائمة: فالحكومة لا تقوم بدونه! فهي صارت كبعض وظائف الدرجة الأولى إرثاً ثابتاً: الأمن العام، والمطار وحتى المرفأ… ووزارة الاتصالات لا بد أن تبقى موصولة “باتصالاته” التي يتجسس بها على اللبنانيين. والكهرباء كذلك بانتساب “وراثي” إلى حلفائه او وزرائه أمثال جبران باسيل. والخارجية وزارة خروج على أمر رئيس الجمهورية والوزارة… أي وزارة خارجية باسم حزب الله وسوريا، امثال السيء الذكر عدنان منصور (هذه الهدية الإلهية لسيادة لبنان وحدوده) والعدل لتكون “العدالة” امتداداًَ “لعدالته” الكانتونية لحماية القتلة ومصنِّعي المخدرات ومزوِّري الأدوية ولصوص السيارات وفارضي الخوات وابطال الخطف “المبين”… أكثر: اما مطار رفيق الحريري فسيكون من الحلقات الأمنية والاقتصادية التي تغذي “دولته” من خلال تهريب البضائع، عن طريق “خطوط عسكرية تشبه (الخط العسكري السوري) والأسلحة وكذلك وأكثر مرفأ بيروت… فالمطار مطاره، والمرفأ من ممتلكاته، يبقى الجيش: فحزب الله يعرف أن لا وصاية خارجية يمكن أن تقبل بجيش قوي له مناقبيته الدفاع عن الأرض والديموقراطية والحدود فالحزب أذله عندما اغتال احد قتلته المحترفين (الضابط سامر حنا) وعندما سيطر على الحدود بين لبنان وسوريا… وانتهك بعض المناطق اللبنانية ليقصف منها الأراضي السورية، بل وعندما “ارتجل” دور الحكومة والجيش في تفويض نفسه “حماية اللبنانيين” داخل الحدود السورية إلى حماية مقام السيدة زينب، فإلى حمص، وحلب. وعندها يسأل أهالي الضحايا من الشيعة واللبنانيون: إذا كان حزب الله مؤلف الحكومة السابقة واللاعب الأكبر في الحكومة العتيدة يعلن خروجه على الدولة والجيش والبرلمان.. في تدخله السافر (كما فعل في حرب تموز المجيدة!) فكيف يكون هذا الحزب في الحكومة، وضدها. ومنتهكها. بل كيف يكون له نواب وهو لا يعترف حتى بوجود البرلمان ودوره! من هنا تبدو مهمة الرئيس المكلف صعبة، حزب الله لن يلتزم أي بيان حكومي ولا اعلان (إعلان بعبدا) ولا أي قانون ولا أي عرف؛ إذاً، كلها كوميديا بكوميديا. وتهريج بتهريج واستغفال للناس. وجرهم إلى معارك وحروب لا علاقة لهم بها. كل هذا يوصلنا إلى نتيجة (سبق ان توصل اليها كثيرون): هذا الحزب بلا مسؤولية . لا وطنية. لا سياسية. لا أمنية. لا انسانية. لا اقتصادية. لا جمهورية. لا سيادية. فكيف اذاً يستمر حزب بلا مسؤولية ان يكون فارض الشروط وخصوصاً ان منبع لا مسؤوليته عائد إلى ارتباطه الكلي بإيران. يخوض حربها. ويأتمر بأوامرها. ويُذعن لمخططاتها. إذا كان على هذه الحال، أترى هل يمكن الوثوق به “كدعامة” أو حتى كمكون من مكونات البلد، أو كشريك في الوطن؟ وهنا تسأل: إلى اي وطن حقيقي أو خرافي ينتمي هذا الحزب؟ وعن أي حدود يدافع ما دام متواطئاً مع قوى خارجية لانتهاك حدوده وقتل شعبه؟

إزاء هذه “الدروس” والأسئلة.. يخطر بالبال والبلبال: وماذا يجري حالياً: وماذا تغير؟ وماذا لم يتغير؟ ومائا يؤلّف؟ وما لا يؤلف؟ وهل كل الحكومات ستكون متشابهة في ألا تكون حكومات في ظل هيمنة هذا الحزب؟ وأي قانون انتخابي سيشكل فارقاً، اذا كان هذا الحزب يعتبر نفسه “فائزاً” سلفاً بكل الانتخابات حتى التي خسر فيها!
وهنا مُعضلة الرئيس المكلف تمام سلام! الذي ما إن يبدأ بتصور حتى يحاصره هذا الحزب. وما إن يشرع بحل حتى يعدمه هذا الحزب؟ وما إن يتعمق في المشاورات حتى يكتشف ان غبار “تأييده” من هؤلاء ينقشع على عداء هؤلاء لكل “رئيس” ولكل مؤسسة في الدولة، تنفيذية، او تشريعية، أو أمنية، أو اقتصادية… ذلك ان الحزب في رأينا: يريد كل شيء! نعم! كل شيء!

وهنا تستعاد الأسئلة الأساسية. وهنا دعوة إلى الحذر… من سرائره السود، ومن علانياته المبهمة.
فهل يمكن أن نحلم مع الرئيس المكلف بحكومة من صنع لبناني، ومن “عناصر” غير مرتهنة بالخارج، لا سيما بأنظمة الطغاة؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل