هي تجرية شخصية احب أن تعمم. لا احب أن أضع صورة سمير جعجع أمامي، ولا في مكتبي، ولا على صفحتي على الفايسبوك وأكتب عنه وكأنه قديس بأجنحة! لم أفعلها يوماً ولا أنتقد بالتأكيد من يفعلها دائماً، فهذا اسلوب من بين أساليب عدة، لتعبير الرفاق عن الاعجاب بالرجل، والانتماء الى مواقفه ومواقف “القوات اللبنانية”، والاهم من كل هذا، تقديراً واحتراماً لنضاله، وهنا الحكاية.
يوم اعتقل، ونحكي عن 21 نيسان 1994، لوهلة اعتبرنا ان العالم انتهى، انه توقف هنا عند درج غدراس في الطريق الى وزارة الدفاع، في زنزانة السجين السياسي الاشهر في لبنان. نجح الاحتلال السوري يومذاك وازلامه الاوفياء، بأن يجرّنا الى اليأس المطلق والايمان اولاً، بقوتنا غير الظاهرة، وثانياً بقدرة الله فينا على مواصلة الدرب. عملياً دخلنا معه عتبة الزنزانة لكنه تحرر قبلنا بكثير. ليس شعراً ولا هو كلام للتغزّل بقدرة الحكيم على البقاء في قلب الايمان بلبنان وبقضيته المحقّة، لكن هذا ما حصل فعلا.
في أول سنة من اعتقاله، أذكر اني كنت وكلما أشعر بضيق من أمر ما، ثم اتذكر ان جعجع معتقل في اسوأ السجون، تعود البسمة الي وتنفرج أساريري وأرتاح، ليس لانه سجين، ولكن لان ثمة من يعاني أضعاف أضعاف ما أعانيه، فأضحك من سخافتي المطلقة، واعود تلك المناضلة الصلبة واحارب كل الجنون المحيط بقضيتنا.
تحوّل الرجل الى مثال أعلى للمقاومة والصمود. بصراحة أعمق، كنت أفتخر بأن ثمة رجل أسير من تحت الارض، يبث لي من دون أن يدري اشعاعات القوة، هي قوة كنت استمدها أولاً من فوق حيث يرعانا يسوع، ومن تحت من ثالث طبقة تحت الارض، حيث تأكل الرطوبة حبوب الزيتون، ولكنها لم تتمكن من الوصول الى جوف الرجل الذي اعطى الزنزانة معنى سامياً خلاّقاً، ومنحنا والرفاق المحتجزين معه، تلك القوة النادرة وذاك التحدّي الغريب، وذاك العنفوان اللامتناهي.
في سجنه غيّر مسار الامور في حياتي! للمرة الاولى أقولها. كنت مناضلة في ضيعتي، وما زلت بالتأكيد، كان الاحتلال يخنقنا من كل الجنبات، لم ابالِ به. الخطر قرع بابي عشرات المرات، كنت أصلي وأقول “لست أفضل من سمير جعجع بشيء، لم أفعل انملة مما فعله، لم أحمل بارودة شرف لاقاتل العدو وأدافع عن حق البقاء بكرامة، اذن لا يحق لي أن انهزم اكراماً للظلمة التي يعيشها. هو من تحت الارض يرفض أي مساومة، يرفض الخروج الى الشمس في مقابل أي تسوية على حساب الرفاق والقضية والشهداء، وانا تحت الشمس أتدلل على النعمة لمجرّد تعب او يأس عابر سخيف؟!” وهكذا صمدت واستمريت، لوحدي في البداية بين الاحتلال وناسه الذين حاصروني كالذئاب أحياناً، ثم انضم الي رفاق، رفاق كثر ودخلنا معا صلب النضال.
وهكذا مرت الايام، على مدى 11 عاما ونيّف، أصبحت غير ما كنت رسمت لدربي في الاساس. كان الفن حلمي، التمثيل الرقص وما شابه، ومع دخوله السجن، صارت “القوات” أنا وانا “القوات”، كما كل الرفاق الرفاق طبعاً.
ليست القصة مجرد حكاية عن أسير سياسي، رفض ذات ليل تسليم شبابه ليسلم هو ويعيش رخاء الهجرة، أو “نعمة” التعامل مع العدو والعميل، بل هي حكاية الاسير طبعت أكثر من جيل وغيرت أكثر من مسار. حكاية الاسير الحرّ، نصرّ انه كان أسيراً حراً، أدخلت غير مفهوم الى وجدان أجيال عاشت معه كل التجربة، وأجيال اخرى لم تعرف عنه سوى من حكاياتنا التي كنا نوشوشها كي لا يسمعنا “وشواشو” الاحتلال، ومن أخبار نرويها عنه لنتناقلها فيما بيننا ولا ننسى، لا ننسى كما يفعل كثر الآن، ان الرجل أعطانا درسا في احترام الذات، واعتناق القضية.
والدنيا من حوله الآن ذئاب، ذئاب الداخل أكثر من الخارج، ذئاب يدّعون التصحيح والتغيير وما شابه من عبارات فارغة كقلوبهم، أجد سمير جعجع في عمر كل مناضل فينا، ليس لانه لا يخطىء، أخطأ وسيفعلها بعد بالتأكيد، لكن الاكيد انه ومنذ نحو عشرين عاما بقي هو هو، صلب في القضية، مطواع في الحوار، منفتح على الجميع، وعنيد عنيد عنيد في الايمان بقضية “القوات”، بنا نحن ناسه وهو ناسنا، متمسك مؤمن بهذا العنيد الاخر الصعب المنال، هذا الحلم الجميل المستحيل المضني، لبنان.
اكرر عبارة من ذات مقال عنه، ليست القصة باني احبه، سمير جعجع ثمة ما هو أكبر وأهم من الحب بكثير، أنا احترمك…
