يُحكى في هذه الآونة عن الإستقرار السياسي والذي لا يمكن تحقيقه إلاّ بوجود حكم صالح، يعمل على حفظ كرامة المواطنين، كلّ المواطنين، وصيانة حقوقهم، الامر الذي لا يتوفّر سوى بالديمقراطية. ولو سلّمنا بأنّ الديمقراطية تعاني من أخطاء، غير أنّ علاج ذلك لا يكون إلاّ بالمزيد من الديمقراطية.
من هنا، فالمطلوب من الحكومة العتيدة، أن تضمن للجميع العدل والحرية والمساواة، قولاً وفعلاً، وهذا يقتضي احترافاً للتعامل بنجاح مع الأزمة القائمة، لتحجيمها على الأقلّ، هذه الأزمة التي تؤجّجها حرب “عصابات” تعمل على شلّ السلطة وعلى الإنقلاب عليها بثورة “ناعمة “.
من الواضح أنّ عدم التجانس السياسي يفرض نفسه على الساحة، فالخليط المُتواجه يختلف على مستوى الطّاعة، هذه التي تنقسم بين داخلية وخارجية، ما يعطّل نسج تفاعل إيجابيّ بين نُخَب الخليط العاقلة، ويحول بالتالي دون ارتفاع الوعي الوطني الى درجة عامل استقرار.
إنّ غياب الإعتدال السلوكي لدى بعضهم، يقود الى غياب المهادنة بين هذا البعض وغيره من أفرقاء الوطن، ويفوته التحسّب ليوم قد يضطرّ فيه الى التعاون معهم، لتسهيل عودته الى حضن النسيج العام. لذلك لا بدّ لذلك “البعض” من أن يتراخى عن قوّة قبضته على أجهزة الإكراه، ويتخطّى الشعور بالتفوّق الآنيّ الزّائل، ويسهّل لمرحلة يندحر فيها العنف السياسي لمصلحة حريّة المشاركة والإستقرار وبناء وطن.
إنّ الحرب الباردة التي أشعل فتيلها “المسلّحون”، قد أحدثت خللاً بُنيويّاً في جسم الدولة، وهزمتها بتضييع مستوى التوازن في هيكلها المُنَظّم. وما ابتداع أعمال العنف والتسيّب سوى طريق لزعزعة الثقة بالنّظام مقدّمةً لسقوطه. هذه الحرب الباردة ما زالت تشكّل المعضلة الأكثر بروزاً وخطورة، إذ ترمي الى تبيان إفلاس النّظام القائم وفساد الصيغة – العِرف، لترتفع على الأنقاض شرعة بديلة تقضي على الديمقراطيّة المُتَوافق عليها. والمؤتمر التأسيسي الذي يُروَّج له، لا ينأى بنفسه عن هذا الإنقلاب الخلاّب. والهدف إعادة تشكيل خارطة لبنانيّة المساحة فقط، تتوافق مع إستراتيجيّة مستوردة ترسّخ لبنان نسخة إيرانيّة للإطباق على قراره.
إنّ الوقوف في وجه هذه الفاشيّة الجديدة المتمثّلة في صيغة الحزب المهيمن، لا يمكن أن يحقّق نجاحه إلاّ بالمزيد من الديمقراطيّة، أي بجرعة حريّة ذات العيار العالي، والمنسجمة مع طبيعة لبنان النّمط الحرّ الرافض للأوتوقراطية الإستبداديّة، والذي يستحيل عليه أن يتعايش مع الإجبار والخضوع والقمع، والمؤهّل الى إحداث انفجار فجائيّ، ليس من جانب المنادين بالمؤتمرات التأسيسية الهجينة بل في وجوههم، بعد أن انفضح الإصلاح الذي يدّعونه وهو ليس سوى ورقة تين واهية تحجب إحدى أكثر العورات، لا بل الموبقات، خطورة وهي القضاء على الوطن.
إنّ مفعول الرّضى القسري المُتحالف مع الجبانة لن يستمرّ الى الأبد، ومؤشّر بداية اضمحلاله يكمن في ذلك الوعي المُبَرعم في الناس، والذي بات مقتنعاً بعدم جدوى الإستمرار في تصديق ترّهات المُظَهّرين أنفسهم زعماء أو قيّمين على حياة العِباد. إنّ ولادة حالة مُتجدّدة لن تحصل إلاّ من بطن الديمقراطيّة نفسها، والمسألة مسألة وقت لا أكثر.