#adsense

مخاطر متزايدة على لبنان بعد زيارة نصر الله لإيران

حجم الخط

أن يطير السيد حسن نصر الله إلى إيران ـ على ما سرّب “حزب الله” لصحيفة “الراي” الكويتية مُتبعاً ذلك بصورة مع مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي نشرها موقع العهد التابع للحزب ـ فهذا يعني أن الأمر خطير، لدرجة دفعت الأمين العام للحزب الى المخاطرة بنفسه، ومخالفة الإجراءات الأمنية، والانتقال بالطائرة، والاجتماع بالقيادة الإيرانية السياسية والعسكرية، وعلى رأسها خامنئي.

لا شك في أن الذي أخرج السيد نصر الله من أماكن تخفّيه المعتادة هو الملف السوري. ليس الاستنتاج وحده هو الذي يفضي إلى هذه النتيجة وإنما منطوق الخبر الذي سرّبه الحزب أيضاً: “القيادة الإيرانية قررت وضع كل ثقلها في المعركة الدائرة في سوريا”. معنى ذلك أن القيادة الإيرانية ـ التي وصفت الزيارة بأكثر من مهمة ـ؛ كانت بحاجة إلى الجلوس مع قيادة “حزب الله” والبحث معها في سبل تنفيذ هذا القرار الكبير، بما في ذلك انعكاساته المتوقعة على لبنان والمشروع الإيراني فيه.

ووفق ما نقلت “الراي” عن مصادر إيرانية؛ فإن القرار الإيراني “يعكس تصميماً إيرانياً على مواجهة الدور العربي ـ التركي في سوريا، ويهدف إلى مساندة نظام الرئيس بشار الأسد في تحسين موقعه على الأرض”.

وبما أن تورط إيران و”حزب الله” في القضية السورية حاصل قبل هذا الاجتماع، ومنذ وقت مبكر من الثورة السورية؛ فهذا يعني أن مقررات هذه المباحثات ليست مجرد مشورة عسكرية يقوم بها الضباط الإيرانيون في سوريا، ولا التواجد ميدانياً للحرس الثوري الإيراني هناك، ولا احتلال “حزب الله” لقرى في ريف القصير، ولا حتى الدفاع عن المقامات الشيعية التي يقوم بها لواء أبي الفضل العباس في دمشق وريفها، وإنما هو أكبر من ذلك بكثير، وهو لا يتعلق بالضرورة بعهد الأسد، أو بالزمن الراهن، ذلك أن لكل خطة بديلها وخياراتها واحتمالاتها، وإذا كان يتصور أن يعلن السيد حسن نصر الله جملة أسباب لتبرير مشاركة عسكرية أكثر كثافة لمقاتليه في سوريا، أو إعلانه الدفاع عن المقامات الدينية أو تولي منطقة القصير بالكامل، فإن منطق الأمور يقتضي أن لا يعلن نصر الله عن الهدف النهائي من دخوله في حمأة الصراع العسكري، وأن لا يكشف السيناريوات الموضوعة في حال سقط النظام، أو قرر بشار الأسد الفرار إلى الساحل وإعلان دويلة علوية “مهدّدة” من “الجماعات التكفيرية”.

ومن الطبيعي ـ بناءً على ما تقدم ـ القول إن اجتماع السيد نصر الله بالقيادة الإيرانية سوف يترك تداعيات أكثر دموية في سوريا، وإنه سوف يزيد الوضع السيئ سوءاً هناك، وإنه سوف يفاقم الفتنة المذهبية في المنطقة، لكن الأهم أنه قد يوسّع الصراع المسلح ليشمل دولاً أخرى؛ على رأسها لبنان.
كيف ذلك؟

أولاً: سوف يفاقم المزيد من انغماس الحزب في القتال الجاري في سوريا من الفتنة المذهبية في لبنان؛ ليس لأن فريقاً واسعاً من اللبنانيين سيعتبر الحزب قاتلاً للسوريين فحسب، وإنما بالنظر إلى أن الحزب نفسه سيلجأ إلى شد العصب المذهبي، وتخويف الشيعة، ونبش بطون التاريخ لاستخراج مسوغات تبرر له قتاله إلى جانب نظام الأسد. معنى ذلك أن الوضع الداخلي اللبناني سيصبح أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للاشتعال عند أي حدث أمني، وهذا ما يفترض أن يدركه “حزب الله” ويستعد له… عسكرياً، على الأرجح، لأن عجز الدولة إزاء الفتنة، سوف يدفع الحزب إلى الحلول محلها والحسم على طريقته.

ثانياً: سوف يرفع التورط الإضافي للحزب في سوريا من مستوى المخاطر على اللبنانيين الشيعة، ليس لأن انتقال هؤلاء عبر الحدود البرية بات خطراً للغاية، بدلالة مخطوفي أعزاز، وليس لأن زيارتهم للمقامات الدينية في سوريا بات مستحيلاً، وإنما لأنهم باتوا بالنسبة إلى الثوار السوريين جزءاً من معادلة الضغط على “حزب الله”؛ وتالياً فقد باتوا عرضة للقتل والخطف والقصف، والأخطر أن مناطقهم ستكون عرضة لانتقام محتمل وتفجيرات دموية قد تشبه ما يجري في العراق، وهذا الأمر إن حدث ـ لا سمح الله ـ فسوف يُدخل لبنان فعلياً في أتون الصراع في سوريا، لا سيما أن الانقسام الشعبي اللبناني سيشمل هذا الموضوع أيضاً؛ بين من سيعتبر لبنان يقع ضحية اعتداءات إرهابية، وبين من سيعتبر الحزب مسؤولاً عما جرى نتيجة تدخله في سوريا واستدراجه تالياً ردود أفعال مؤذية للبنان.

ثالثاً: سوف يؤدي التدخل العسكري الإضافي لـ”حزب الله” في سوريا إلى حشر الدولة اللبنانية في الزاوية، وربما إلى انهيارها، لأن الأجهزة الرسمية ستجد نفسها أمام مفارقات صعبة؛ إذ كيف للقوى الأمنية ـ وتالياً القضاء ـ أن تلاحق مهربي سلاح إلى الثوار السوريين عبر الحدود أو تتعقب متطوعين جهاديين، وهي في المقابل تغض الطرف كلياً عن أضخم تنظيم مسلح يعلن أمينه العام أن مقاتليه ـ وهم بالآلاف ـ يخوضون قتالاً في سوريا؟! وكيف سيتصرف المستوى السياسي في الدولة عندما تُنتهك الحدود، سواء من جانب النظام السوري أو الثوار، بالنظر إلى أن فريقاً من اللبنانيين سيطالب الدولة بالتعامل مع الخرق الحاصل من النظام كما الخرق الحاصل من الثوار، وصولاً إلى تحديات إضافية؛ من بينها المطالبة بحماية الأهلين في الشمال وعرسال، سواء من خلال قوات أممية، أو من خلال إنشاء مقاومة شعبية، كما يفعل “حزب الله” الذي بات يملك قرار السلم والحرب في جبهتين لا جبهة واحدة في الجنوب، وضد عدوين لا عدو واحد، مع فارق أن عداوة “إسرائيل” محل إجماع والموقف من ثوار سوريا محل انقسام.

رابعاً: سيكون من شأن ما تقدم كله؛ المزيد من غرق لبنان في محور لا قدرة له على تحمل تبعاته، وأكثر ما سيتأثر جراء ذلك؛ الاقتصاد اللبناني المترنح، ذلك أن تحوّل لبنان إلى قاعدة خلفية ومنطلق للهجمات باتجاه الأراضي السورية؛ سيجر ردود فعل ميدانية وسياسية، وستكون المقاطعة العربية وهروب رؤوس الأموال والسياح أمراً أكيداً، وستلعب الدعاية السياسية للأطراف كافة في تخويف العالم من الوضع اللبناني أكثر (على سبيل المثال؛ الدعاية القائمة على أن لبنان أو مناطق منه تحولت مرتعاً للتكفيريين)، ويزيد الانقسام الأهلي والحروب الصغيرة بين الطوائف، سياسياً وعلى الأرض، من ذلك الواقع المحزن.

إن التفكّر في عمق هذه المخاطر يفضي إلى أن أزمة لبنان ليست في تشكيل حكومة أو سن قانون انتخاب متعسّرين، وإنما في وجود تنظيم مسلح يقرر عن بقية اللبنانيين ما يراه مناسباً، ويسمّي ذلك كله مقاومة؛ انتهاكه الخط الأزرق في العام 2006 هو مقاومة، هدفها تحرير أسير؛ صار الأغلى في العالم، واجتياح بيروت وبعض الجبل ومناطق أخرى في العام 2008 هو مقاومة، وفق معادلة “السلاح دفاعاً عن السلاح”، والتلويح باستخدام السلاح لتغيير الغالبية النيابية في العام 2011 هو مقاومة “لحماية ظهر المقاومة”، والقتال إلى جانب النظام السوري اعتباراً من العام 2012 هو مقاومة “لأن المعركة واحدة لكنها على محاور مختلفة، ولكل محور رجاله الذي يعرفون أدوارهم” وفق أحدث نظريات النائب محمد رعد… ثم يضيق صدر “حزب الله” بعد ذلك إلى حد التخوين، تجاه من يقاوم هذه “المقاومة” ولو سلمياً… حقاً إن لله في خلقه شؤون؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل