#adsense

ليست كل الدروب تؤدي إلى.. الانتخابات

حجم الخط
عشية انعقاد لجنة التواصل النيابية في جلستها ما قبل الأخيرة، وهذا ليس من معرض التنبؤ أو التنجيم وهي موضة رائدة في هذه الأيام، بل استناداً إلى الوقائع التي تشي بأن كثرة المشاريع الانتخابية التي يروّج لها في هذه الأيام، تعرقّل عمل اللجنة (المتعثّر أصلاً)، يبدو أنه من غير المرجّح أن تستطيع هذه اللجنة الخروج بتوافق على قانون انتخابي عتيد، يستطيع الناخبون اللبنانيون من خلاله التوجه إلى صناديق الاقتراع لممارسة حقهم بموجبه، وبالتالي سيعلن أعضاء اللجنة أنفسهم “تعليق” اجتماعاتهم والعودة إلى “بيت الطاعة” في المجلس النيابي.

وبعدما برزت في الآونة الأخيرة ملامح إيجابية تتعلق بضرورة اتفاق المعنيين على اعتماد مبدأ القانون المختلط وهو ما دفع أعضاء لجنة التواصل إلى معاودة اجتماعاتهم التشاورية بغية مناقشة ما هو متوفر انطلاقاً من المشروع الذي تقدّم به عضو اللجنة النائب علي بزي باسم كتلة “التنمية والتحرير” التي يرأسها الرئيس نبيه بري، بدأت الآمال تتلاشى شيئاً فشيئاً خصوصاً مع معاودة طرح المشاريع الانتخابية التي أصبحت تبرز مثل حبات الفطر في الغابة، ما يعني، هذا إن عنى، شيئاً واحداً، وهو أن حتى القانون المختلط لم يعد يمثل حلاً لمعضلة برزت مع المطالبة بدفن قانون الستين النافذ حالياً، وطرح مشروع “اللقاء الارثوذكسي” الذي يشكّل نموذجاً صارخاً من السوء وضرب العيش المشترك والانعزالية المناطقية والطائفية وصولاً إلى الفدرلة وتفتيت البلد، ليس على أساس جغرافي، بل على أساس مذهبي.

كما في كل مرة يشرف فيها لبنان على موعد الاستحقاق الدستوري، تبدأ حملات المطالبة بإقرار قانون انتخاب يحقق العدالة وصحة التمثيل لجميع مكونات المجتمع اللبناني. فأزمة التمثيل ليست حكراً على المسيحيين في لبنان، بل تتعداهم لتدق أبواب المسلمين أيضاً.

وليس خافياً على أحد أن المسيحيين عموماً يعارضون القانون الانتخابي الذي وضع في عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب والذي عرف باسم قانون “الستين” نسبة إلى العام الذي تم فيه إقراره واعتماده لإجراء الانتخابات النيابية في عهد الرئيس الراحل، وتم تعديله بموجب القانون 25 في العام 2008 عقب مؤتمر الدوحة بناء لإصرار رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون الذي رفع أنصاره لافتات “رجع الحق لأصحابه” بعد إقراره.

غير أن عدم تحقيق النائب عون لطموحاته من خلال هذا القانون، أي عدم حيازته للأكثرية النيابية التي قد تنتخبه رئيساً للجمهورية، هذا الحلم الأزلي الذي يبدو أنه يرافق عون منذ نعومة أظفاره وسيستمر معه حتى عمر مديد، دفعه باتجاه تبنّي مشروع قانون تفتيتي عرف زوراً باسم مشروع “اللقاء الارثوذكسي”، في مزايدة ما بعدها مزايدة، حشرت منافسيه على الشارع المسيحي، أي حزبي “القوات اللبنانية” و”الكتائب” لتبنيه تحت سقف المقر البطريركي في بكركي، فقررا الاندفاع خلف هذا المشروع بحجة أنه يحقق أفضل “تمثيل مسيحي”، هذا من دون احتساب صوت رئيس تيار “المردة” النائب سليمان فرنجية، لأن “الجنرال بيمون ونحنا وراءه” على ما يقول الزعيم الشمالي الشاب دائماً.

لكن الأصوات التي ارتفعت بوجه هذا المشروع “اللامشروع” لم تكن “إسلامية” بل كانت من “قلب البيت” أي لدى المسيحيين أنفسهم، فعلت أصوات رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وأصوات النواب والشخصيات المسيحية المستقلة الذين من بينهم أبناء لثلاثة رؤساء جمهورية سابقين، ناهيك عن المعارضة شبة الكاملة لمن يحمل المشروع اسمهم زوراً، اي الارثوذكس أنفسهم بدءاً من متروبوليت بيروت المطران الياس عودة، و”عميد” الارثوذكس نائب رئيس مجلس الوزراء السابق النائب ميشال المر.

بمواجهة هذه المعارضة الواسعة، قررت القيادات المسيحية التي اجتمعت في بكركي مجدداً، “تعليق” المطالبة باعتماد مشروع “اللقاء الارثوذكسي” لمدة شهر، تزامن مع مصادقة المجلس النيابي على قانون علّق المهل المنصوص عنها في القانون رقم 25/2008 ولغاية 19 أيار المقبل، فوضع مشروع القانون الاول على “الرف” في وقت يزعم فيه معارضو القانون الحالي أنه “مات وشبع موتاً” غير أن ذلك ليس صحيحاً، فالقانون لا يلغى إلا بقانون، وعلى أمل أن يتوصل “المتشاورون” في لجنة التواصل إلى صيغة جديدة تحظى بقبول الهيئة العامة لمجلس النواب، فقانون الدوحة لا يزال سارياً ويجب أن تجرى الانتخابات بموجبه.

على المقلب الآخر، وعلى الرغم من الموقف المبدئي لتيار “المستقبل” والحزب “التقدمي الاشتراكي” المعارض لمشاريع القوانين المبنية على النظام النسبي، إلا أن الفريقين تقدما خطوة إلى الأمام على أمل أن يلاقيهما باقي الفرقاء، من خلال القبول بالنظام النسبي وتطبيقه تدريجياً أي في خطوة أولى عبر قانون مختلط يزاوج بين النظامين الأكثري والنسبي.

لكن التيار “الوطني الحر” يرفض اي قانون غير “الارثوذكسي” و”حزب الله” يسير وراء “المسيحيين” في أي قانون انتخاب يتوافقون عليه!! و”الكتائب” لا يرضى إلا بقانون يؤمن “صحة التمثيل” في حين أن “القوات اللبنانية” لا تمانع بالمختلط، وتفضّل الدوائر الصغرى، وإن “انحشر الدق” أي قانون كان، فالمهم إجراء الانتخابات، فيما مشروع الرئيس بري و”حركة أمل” موجود أمام لجنة التواصل: المختلط 50/50.

لا يكفي أن “الطبخة سايطة”، بل برز إلى العلن مؤخراً مشروع قانون أعلن النائب الشيخ بطرس حرب أنه سيتقدّم به وينص على اعتماد الدائرة الفردية One Man One Vote وهذا المشروع قد يؤمن فعلاً صحة التمثيل لجميع مكونات المجتمع اللبناني، إنما وبحسب النائب حرب، لا يزال مسودة مشروع يعمل على إنجازه ويحتاج لبعض الوقت قبل اكتماله على صورة مشروع قانون ليصار إلى مناقشته.

بالمختصر المفيد، في كل مرة ينتخب اللبنانيون نوابهم، يحصلون على الوعود العرقوبية نفسها وهي أن ممثليهم في الندوة البرلمانية سينكبون على دراسة وإقرار مشروع قانون جديد للانتخابات يلبّي طموحات الجميع وينقلهم إلى مصاف الدول المتقدمة، وتنقضي الوكالة بعد أربع سنوات، واللبنانيون لا يزالون يحلمون، فيما هؤلاء النواب في مشاغل أخرى ولا يستفيقون على وعدهم إلا قبل نهاية التفويض الممنوح لهم بأشهر قليلة.

على حضرات المشرّعين الذين لم يحسموا أمرهم بعد، أن يصدقوا اللبنانيين قولاً وفعلاً، وبما أن موعد 19 أيار أصبح على الأبواب، عليهم أن يكفّوا عن بذل “الجهود المقنّعة” التي لن توصلهم ولن توصل اللبنانيين إلى مكان، والمسارعة إلى إعلان أمر من اثنين: التمديد لأنفسهم، وهذا أبغض الحلال، أو إعلان الخضوع إلى القانون الساري المفعول، والجميع تحت القانون، وكان الله يحب المحسنين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل