فوجئ اللبنانيون بصلابة موقف الرئيس تمّام سلام، في مواجهة الحملة السياسية والإعلامية التي تعرّض لها، بعد أقل من 48 ساعة على تكليفه تشكيل الحكومة العتيدة، من قبل الأطراف السياسية والحزبية التي تُطالب بالحفاظ على حصصها في الوزارة الجديدة!
لم ينفع إطلاق الشائعات المفبركة، وتدبيج المقالات والتصريحات المغرضة في زحزحة الرئيس المكلف عن ثوابته، وسرعان ما تبين أن لا صحة لكل التسريبات الإعلامية الملغومة، والتي بدأت «بعزم سلام على التفرّد بتشكيل حكومته»، إلى «محاولة الرئيس المكلف تأليف حكومة أمر واقع بالاتفاق مع رئيس الجمهورية» كذا، إلى «تشبث سلام بتشكيل حكومة حيادية من التكنوقراط وإقصاء الكتل والأحزاب السياسية عنها».. إلى آخر المعزوفة، التي ظهر للبنانيين لاحقاً، أنها من تأليف وتلحين المطابخ السياسية، التي يحاول أصحابها فرض شروطهم على الرئيس المكلف، والهيمنة على عملية التأليف وتوزيع الحقائب!
الواقع أن ابن البيت السياسي العريق أراد أن يستفيد من تجارب رؤساء الحكومات السابقين، وتجنب الوقوع في شباك المناورات الدهماء، وتشكيل حكومة تناقضات سياسية، تنقل المتاريس الخلافية إلى طاولة مجلس الوزراء، وتزيد إدارة الدولة تعطيلاً، وتفاقم الصراعات في الشارع تفجيراً.
لم يُداهن تمّام سلام، ولم يساير، عندما بادر إلى إطلاق تصوره للحكومة العتيدة، راسماً ملامح ومواصفات تكوينها: حكومة المصلحة الوطنية، مؤلفة من غير المرشحين للانتخابات، وتضم شخصيات سياسية غير استفزازية لأي طرف سياسي، ولا تنتمي مباشرة لأي حزب أو جهة سياسية. والهدف تشكيل فريق عمل منسجم، يؤمن بالحوار والاعتدال في التصدّي للملفات الخلافية، ويوحي بالثقة والشفافية للرأي العام، في الداخل والخارج على السواء.
* * *
أما القول بأن ظروف المنطقة الاستثنائية، وأوضاع البلد الحسّاسة، والتداعيات الساخنة للحرب السورية على الساحة اللبنانية، تتطلب كلها، وجود حكومة سياسية من عيار حكومات «الوحدة الوطنية»، ففيه محاباة كبيرة، وقفزات بعيدة فوق التجارب المريرة الماضية، وذلك لعدة أسباب، نكتفي بإيراد اثنين منها على سبيل المثال لا الحصر:
{{ الأوّل: نجاح تجربة حكومة الانتخابات غير السياسية التي ترأسها الرئيس نجيب ميقاتي عام 2005، في ظل تداعيات زلزال اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان، وانتشار عمليات الاغتيال والتفجيرات التي طالت شخصيات سياسية وإعلامية بارزة، وشملت بعبواتها الناسفة أكثر من منطقة في بيروت والضواحي والجبل.
{{ الثاني: لقد أثبتت حكومات «الوحدة الوطنية» أن غياب الوفاق، وتعطيل الحوار بين الأفرقاء السياسيين، يُحوّل حكومة الوحدة إلى حكومتين، أو أكثر، وبالتالي يعطّل حيناً مجلس الوزراء عن الاجتماع في جلساته الأسبوعية، ويُجمّد انتاجية الحكومة ويعرقل الإنجاز في أحيان كثيرة، على غرار ما حصل في الحكومات التي أعقبت انتخابات عامي 2005 و2009!
* * *
وأما محاولة ربط تشكيل الحكومة بالاتفاق المسبق على قانون الانتخاب، فهذا يعني جرّ البلد إلى حالة مخيفة من الفراغ السياسي والأمني والإداري، لا تستطيع حكومة تصريف الأعمال أن تتحمل مسؤوليته وتتصدى لمهماته، لأن الدستور حدّد دائرة وصلاحية تصريف الأعمال، خلافاً لما يحاول أن يقوم به بعض الوزراء في الحكومة المستقيلة من اتفاقيات وصفقات قابلة للطعن القانوني أمام المرجع المختص.
وحقيقة الأمر، أن التوافق على تشكيل «حكومة الانتخابات»، من شأنه أن يفتح أبواب الحوار بين الأفرقاء السياسيين، للبحث في قانون الانتخاب الجديد، على إيقاع الأجواء الإيجابية التي سيولدها تأليف الحكومة، فضلاً عن مناخات الثقة التي يمكن أن تنشأ بعد إعلان «حكومة الوفاق الوطني» التي يجب أن تحظى بالإجماع الذي ناله رئيسها.
في الأسبوع الثالث للتكليف، بدأ الوقت يُداهم الجميع: التطورات الحدودية الساخنة تسابق مساعي فكفكة العُقد، وتسهيل التأليف. زخم الإجماع مهدّد بالتراجع، وحماسة الداخل والخارج للوفاق اللبناني عُرضة للانتكاس عند أوّل منعطف، وجرعة الانتعاش التي سرت في الشرايين الاقتصادية قاربت على النفاد، واللبنانيون بدأوا يحبسون أنفاسهم بانتظار ولادة حكومة الإجماع، التي يريدها رئيسها حكومة واحدة.. لا حكومتان حول طاولة مجلس الوزراء!