كتب طارق ترشيشي في صحيفة “الجمهورية”:
يؤكد رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام زواره أنه يثق بالرئيس المكلف تمام سلام ثقة كبيرة ويريد له النجاح في مهمته لتأليف حكومة وفاق وطني تراعى فيها الاحجام التمثيلية لجميع الاطراف السياسية. فيما يرى متابعون لمشاورات التأليف أن هذه الحكومة تحتاج اليها البلاد أكثر من أي وقت مضى، خصوصا في ضوء تصاعد الازمة السورية، ويقال ان عقبات كثيرة ذللت من امام التأليف وبقي القليل…
ويرى بري، حسب ما ينقل عنه زوار عين التينة “ان الإجماع الذي حصل على تكليف سلام ينبغي ان ينسحب على تأليف الحكومة العتيدة، اي حكومة الوفاق الوطني التي تفرضها المرحلة التي تمر بها البلاد”.
وحسب هؤلاء الزوار يقول بري: “لو كان هناك قانون انتخاب بين ايدينا والانتخابات ستُجرى في موعدها في حزيران المقبل لكان يمكنني من جهتي القبول أن تكون الحكومة: تمام سلام، تمام سلام تمام سلام، لأنه يكون واضحا في هذه الحال ان هذه الحكومة سيكون عمرها قصير لا يتجاوز الشهرين بحيث تجري الانتخابات وترحل. اما في الوضع الذي نحن فيه وفي ظل عدم التوافق بعد على قانون الانتخاب وفي ضوء الاجماع على التكليف فمن الطبيعي ان تكون الحكومة حكومة وفاق وطني أو سموّها ما شئتم”.
ويقول سياسيون متابعون للاتصالات والمشاورات الجارية لتأليف الحكومة ان سلام إكتفى إثر تكليفه بالاستشارات النيابية التي لا يمكنها وحدها إنتاج الحكومة، اذ كان عليه ان يجري استشارات جديدة كتلك التي بدأها منذ الجمعة الماضي وادت الى تقدم ملموس وخرق جدي في إتجاه تأليف الحكومة تمثّل بالآتي:
اولا- ان الرئيس المكلف لم يعد مصراً على حكومة حيادية او تكنوقراط، بل بات مقتنعاً بأن تكون حكومة سياسية ويرغب بأن لا يكون وزراؤها حزبيون وغير مرشحين للإنتخابات.
ثانيا: اقتنع سلام بوجوب إجراء مروحة واسعة من المشاورات مع مختلف القوى السياسية بغية الوصول الى نتائج ملموسة تمهد لولادة حكومية غير بعيدة، وفي هذا الاطار تندرج اجتماعاته المتلاحقة مع ممثلي مختلف الاطراف السياسية والتي ستنشط خلال الساعات والايام المقبلة.
ثالثاـ حصول شبه توافق بين الجميع على ملاءمة الأسماء مع الحقائب الوزارية بحيث يتولّى كل صاحب اختصاص الوزارة التي تنسجم مع اختصاصه، ايا كان توجهه السياسي.
رابعا- لا ممانعة مبدئية لدى الجميع في اجراء مداورة في توزيع الحقائب الوزارية بين جميع القوى والطوائف شرط ان تكون هذه المداورة شاملة ولا تقتصر على بضع وزارات فقط.
خامسا ـ كانت هناك عقدة بدأت “تتحلحل” وتتعلق بموضوع الحقائب الوزارية وطريقة توزيعها على رئاسة الجمهورية و”التيار الوطني الحر” وبقية الاطراف المسيحيين.
سادسا ـ بات مسهّلا توزيع الحصص من الحقائب والمقاعد الوزارية على القوى السياسية التي ستشارك في الحكومة، بحيث يكون هذا التوزيع وفق الاحجام التمثيلية للجميع في مجلس النواب، وبالتالي ليست المسألة مسألة “ثلث معطل” ام لا لهذا الفريق او ذاك.
وفي هذا السياق فإنه في حال بروز اي مشكلة في هذا المضمار يمكن اللجوء الى تكوين كتلة وزارية وسطية تحظى بقبول الجميع.
وثمة من يقول ان التوافق السعودي ـ الايراني ـ الاميركي على التهدئة في لبنان في هذه المرحلة، سيدفع الجميع قدماً الى تسهيل ولادة الحكومة، على رغم مخاوف البعض من تأخر هذه الولادة ، خصوصاً مع دخول الازمة السورية دورة جديدة من التصعيد العنيف والذي بدأت بعض المناطق الحدودية اللبنانية تتشظى به أمنياً، وينعكس تصعيداً سياسياً لدى البعض وتلويحاً بالتدخل مباشرة في المواجهات العنيفة الدائرة بين الجيش السوري ومسلحي المعارضة.
ويرجح بعض المتابعين للأزمة السورية ان يتبلور المصير الذي ستؤول اليه في خلال الاسابيع القليلة المقبلة، في ضوء ما سيظهره الميدان من نتائج على الارض لمصلحة النظام أو المعارضة، خصوصاً ان المواجهات الدائرة تأخذ طابع الحسم، إستباقاً لحوار ينادي به هذا الفريق الدولي أو ذاك على قاعدة وثيقة جنيف أو غيرها.
وفي هذا الإطار ثمة من بدأ يستعجل تأليف حكومة الوفاق الوطني العتيدة لكي تعمل على ترسيخ الإستقرار الداخلي ومواجعة إنعكاسات الأزمة السورية عليه.
وفي اعتقاد هؤلاء المتابعين ان ما يجري على الساحة السورية يسير في خط مواز للمفاوضات الاميركية ـ الروسية في شأن الأزمة السورية والتي منها الإجتماع الذي سينعقد اليوم في بروكسل بين وزيري خارجية البلدين جون كيري وسيرغي لافروف، الذي كان لافتاً امس قوله أنّ “كيري يميل إلى إيجاد حلّ سياسي للنزاع السوري يستند إلى مُحادثات بين الحكومة السوريّة والمُعارضة”، لكنّه أسِفَ لأنّ “هناك عدداً غير قليل من الراغبين في زعزعة هذا التوجّه”.
ويقول مصدر ديبلوماسي في بيروت أن التوافق السعودي ـ الإيراني، على دعم التوافق والتهدئة في لبنان لن يرقى الى حدود التدخل في تأليف الحكومة، فلا السفير السعودي في بيروت سيتدخل في هذا الصدد ولا السفير الايراني الدكتور غضنفر ركن آبادي، لأن هذا الشأن داخلي بحت لا يمكن الرياض أو طهران التدخل فيه، فمثل هذا التدخل قد ينعكس سلباً على رعاية البلدين للتوافق العام الذي تجسّد بالإجماع على تكليف سلام، ووفّر للبنانيين فرصة للخروج من دائرة التشنج الطائفي والمذهبي، والتطلع الى مرحلة من الوفاق التي تحصن بلدهم إزاء تداعيات ما يجري في المنطقة.
وعلى رغم اعتقاد كثيرين ان مسألة تأليف الحكومة مرتبط بالتوازنات الداخلية، فإن بعض السياسيين يرون ان التطورات المتسارعة في المنطقة ستلقي بظلالها على المشهد السياسي اللبناني نفسه، وعلى الوضع الحكومي بالذات، وهي تطورات يبدو ان الإتفاق على قانون انتخاب جديد سهلاً امام مواجهتها، فمن إعلان بعض المشايخ التعبئة العامة لنصرة “اهلنا في القصير”، الى التبدل الواضح في موازين القوى داخل الميدان السوري لمصلحة النظام، الى اختطاف مطران حلب والاسكندرون وتوابعهما للروم الأرثوذكس بولس اليازجي شقيق بطريرك انطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا اليازجي وميتروبوليت حلب للسريان الأرثوذكس المطران يوحنا ابراهيم، وتصاعد تحركات اهالي المخطوفين اللبنانيين في اعزاز وتركيزهم على مسؤولية تركيا، كلها امور ستكون لها انعكاسات على الداخل اللبناني بكل الوان طيفه الطائفي والمذهبي، وسيجعل من مهمة تفكيك هذه الألغام مهمة صعبة تنتظر الرئيس المكلف وحكومته، وهي مهمة تشدد على ضرورة ان تكون الحكومة جامعة لكل القوى الفاعلة في البلاد.
وثمة من يقول ان التوافق الخارجي على تهدئة الساحة اللبنانية، مرده الى ان القوى الاقليمية والدولية المتداخلة في الازمة السورية، وجدت في هذه التهدئة ما يمكنها من التفرغ للشأن السوري والدفع للوصول به الى ما تبتغي، فهناك فريقان اقليميان ـ دوليان يتنازعان في سوريا مباشرة ومداورة، فريق يطمح الى إسقاط النظام ويدعم المعارضة لهذا الهدف وفريق آخر يدعمه ويشد من أزره لتمكينه من حسم المعركة لمصلحته، وفي الحد الأدنى يريد كل فريق ان يجلس في مواجهة الآخر الى طاولة مفاوضات الحل السياسي وفي يده أوراق قوة يسعى الآن الى امتلاكها بتحقيق انجازات كبيرة في الميدان، خصوصاً اذا تعذّر الحسم على أي من الفريقين.
وتُظهر الوقائع الميدانية راهناً ان النظام يحقق تقدماً ملموساً في الوقت الذي تتنازع المعارضة خلافات كبيرة تنعكس سلباً على مسلحيها الذين لا تقودهم جهة واحدة، وانما جهات لكل منها مشروعه السياسي أو العسكري، على رغم الدعم الكبير الذي تتلقاه من هذه الدولة او تلك، وهو دعم يُحجم عنه البعض أو يناقشه ولم يتخذ قراراً به بعد، وهذا الواقع ينطبق على وضع دول الإتحاد الأوروبي، فيما أعلن الأميركيون انهم سيقدّمون “مساعدات غير قاتلة”.