الفصل بين ما يجري في الداخل السوري والداخل اللبناني مستحيل، كون الداخل السوري أصبح جزءاً لا يتجزّأ من الداخل اللبناني، ليس فقط نتيجة المليون نازح سوريّ، إنّما بفعل احتدام المعارك العسكرية بين “حزب الله” و”الجيش السوري الحر” بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الثورة السورية.
فمشاركة الحزب في الحرب السورية معروفة، ولكنّها لم تكن يوماً بهذا الشكل. وجاء إعلان الشيخين أحمد الأسير وسالم الرافعي الجهادَ في القصير دفاعاً عن أهل السُنّة وردّاً على دفاع “حزب الله” عن الشيعة ليؤرّخ انطلاق المواجهة اللبنانية-السنّية واللبنانية-الشيعية على الأرض السورية، وانطلاق العدّ العكسي لانتقالها إلى لبنان بفعل الاحتقان والتشنّج والجنازات المتنقّلة بين المناطق والشوارع المتداخلة.
وإذا كانت عوامل التعبئة والتوتّر والخشية من الفتنة هي التي دفعت الحزب إلى فكّ ارتباطه بالحكومة الميقاتية، فالعوامل نفسها يجب أن تدفعه منطقيّاً إلى فكّ ارتباطه بالأزمة السورية، أو أن يقلّص دوره إلى الحدّ الأدنى بدلاً من أن يدفع هذا الدور قدُماً إلى الحد الأقصى، وذلك لتفويت الفرصة، وفق أجواء قريبة منه، على من يريد الاستفادة من الأزمة السورية لضرب “عصفورين في حجر واحد”، أي التخلّص من النظام في دمشق و”حزب الله” في لبنان، من منطلق أنّه لم يعد من مكان للأوّل في أيّ تسوية مقبلة، وأنّ انخراط الثاني العسكري في الحرب السورية سيؤدّي مع الوقت إلى إنهاكه وإضعافه وشرذمة صفوفه بفعل الخسائر المتمادية، فضلاً عن مذهبة الصراع في المنطقة ونقله إلى لبنان، ما يضطرّ الحزب وإيران إلى المبادرة لتسوية تقايض تسليم السلاح بوقف الحرب المذهبية، في حين أنّ بإمكان الحزب، ودائماً وفق المقرّبين ذاتهم، الاحتفاظ بسلاحه، وإيران بموقعها المتقدّم على المتوسط في حال نأى الحزب بنفسه عن الأزمة السورية، في محاولة للحدّ من الخسائر الناجمة عن سقوط حلقة من حلقات محور الممانعة.
واللافت أنّ تسعير المواجهة بين “حزب الله” و”الجيش الحر” أعقب وترافق وتزامن مع ثلاثة أحداث: اللقاء بين أمين عام “حزب الله” السيّد حسن نصرالله ومرشد الثورة الإسلامية في إيران السيّد علي خامنئي، اللقاء الأوّل من نوعه منذ اندلاع الثورة السورية بين الرئيس السوري ووفد لبناني كبير ممّا يسمى بالأحزاب والقوى الوطنية، فيما كانت اللقاءات مع الأسد ثنائية الطابع والإعلان عنها موسمي، وإعلان الحزب أنّ مشاركته في القتال داخل الأراضي السورية هي “واجب وطني”، وأنّ شهداء الحزب هم شهداء كلّ الوطن.
كلّ ما تقدّم يؤشّر إلى توجّه تسخيني لا تبريدي، خصوصاً إذا ما أضيف إليه الإعلان عن إطلالة للسيّد نصرالله (في 9 أيّار المقبل) قبل أكثر من ثلاثة أسابيع عن موعدها، ما يجعلها سابقة في هذا المجال إذا ما تمّ استثناء بعض المحطات الثابتة في أجندة إطلالات أمين عام “حزب الله”، ما يفتح الباب أمام طرح بعض التساؤلات من قبيل ما إذا كانت هذه الإطلالة ستأتي تتويجاً لتطوّرات ميدانية، سياسية أو عسكرية، لبنانية أو سورية، وما إذا كانت ولادة الحكومة لن تحصل قبل هذا التاريخ وترتبط بما يحصل في سوريا؟
ومن البديهي الاستنتاج أنّ هذه المناخات لا تساعد في تسهيل مهمّة الرئيس المكلّف بالتشكيل، لأنّ الأنظار باتت مشدودة إلى الحدود وارتداداتها أكثر من الحكومة وتعقيداتها، فضلاً عن أنّ هذا المشهد التصعيدي يعيد إحياء الوضع نفسه عشية إسقاط الحكومة الحريرية، ولا يشبه إطلاقاً فترة التهدئة الوجيزة التي أعقبت استقالة الرئيس نجيب ميقاتي، وبالتالي عودة الاحتقان الداخلي ربطاً بالمشهد السوري تتطلّب، بغية تنفيسه، فكّ الارتباط بهذا المشهد، إذ لا الحكومة ولا غيرها قادرة على مواجهة أو معالجة قرار إقليميّ بربط الساحتين اللبنانية والسورية، فضلاً عن أنّه لا مصلحة لقوى 14 آذار في توفير الغطاء السياسي لـ”حزب الله” في لبنان بغية التفرّغ لمعركته في سوريا.
