#adsense

انتقائية “حزب الله” السورية في الدفاع عن القرى اللبنانية

حجم الخط

يختلف الكثيرون مع ادعاءات النظام السوري حول كل القضايا، لكن نقطة الاتفاق الوحيدة تبقى أن هناك تداخلاً في الحدود والقرى الحدودية الى صلات قرابة وما سوى ذلك من شعارات.

وفيما لم يتم الاستفادة من هذا التفاعل الطبيعي خدمة لهذه القرى والبلدات لأجل تطويرها، واظب النظام السوري على تحويل غالبية هذه القرى الى “دفرسوار”، بمعنى آخر حزام ديموغرافي من لون واحد، خوفاً مما كان يجري ترداده دوما حول الخاصرة اللبنانية الرخوة التي هي مكمن الخطر والداء، والموطن والبيئة الأخطر لكل ارهاب ولكل المؤامرات على سوريا الصمود والمقاومة.. بهذه الطريقة أو تلك جرى تهجير بعض سكان هذه القرى، أو جعلها موقعاً ومكاناً لمن يمكن الائتمان الى ولائه واستماتته في الدفاع عن هذا الحصن.

وإذا كان هناك من ينفي هذه المقولة ، لأن هذا ليس سوى نتاج لاتفاقية سايكس بيكو، وتأسيس دولة لبنان الكبير، وبالتالي فإن اللون الواحد نشأ ضمن سيرورته التاريخية ، فإن هذه الادعاءات تسقط إذا توضح أن أكثر من ستين قرية وبلدة حدودية من العريضة الى منطقة شرق وغرب العاصي لها لون واحد، بينما تبلغ عدد القرى والبلدات الأخرى من اللون الآخر تسع بلدات ومن بينها حالات، تلكلخ، العويشات، المعاجير، تل الزهور وهيت وصولاً الى البعض الآخر وهي تعتبر مختلطة كحاويك والعريضة الغربية والمشيرفة.

ظلت غالبية هذه البلدات على هدوئها قبيل اندلاع الثورة السورية، حيث ان غالبية شبابها اشتهروا بممارسة مهنة التهريب للمواد المختلفة أبرزها في الفترة التي سبقت اندلاع الانتفاضة السورية المازوت والبنزين، المواشي، الحديد العتيق “السكراب”، بعض المواد الغذائية أو تلك التي تؤمن مردوداً لائقاً لهؤلاء وبعض الامتيازات .
هذه القرى عينها انتفضت أيضاً منذ اللحظة الأولى وتحديداً تلكلخ وحالات أملاً بانتصار سريع، لكن القبضة الأمنية والعسكرية السورية كانت الأعنف والأقوى فهجر غالبية سكانها، وكانت الموجة الأولى من النازحين هم هؤلاء اللبنانيون تلاهم الدفعة الثانية من السوريين ، فخلت حالات وتلكلخ والعريضة الغربية وهيت من سكانها واقتصر وجود من تبقى على كبار السن والعجّز، بينما ظلت قريتا المعاجير والعويشات على حالها نسبة لأمرين، الأول موقعها الواقع على تلال مشرفة على وادي خالد، والثاني غض النظر الذي مارسته الهجانة والشبيحة بالسماح بالعبور، الى أن اتخذ قرار بتطويق هذه القرى والبلدات بحزام من الألغام وبعض الخروقات البسيطة التي كان يتم معالجتها أو تطويقها سريعاً.

بعيد الهجوم الكاسح والأول على تلكلخ وحالات انبرت وسائل اعلام الثامن من آذار لتقول ان هناك جهاديين وارهابيين يتسللون للقتال في داخلها، في الوقت الذي دحضت الوقائع كل هذه الادعاءات رغم اصرار الطرف السوري على هذه المقولة أيضاً، واتخاذها ذريعة للقصف اليومي على كل القرى الحدودية اللبنانية، ومطاردة اللبنانيين والآمنين والسوريين النازحين بالقذائف والرشاشات الثقيلة، يومها كان بامكان سكان هذ القرى بحجة التداخل وصلات القربى والتزاوج أن يهبوا للدفاع عن أقربائهم والتدخل مباشرة كما يجري في قرى ريف القصير فلم يفعلوا ذلك.

الأمر نفسه انسحب على العويشات والمعاجير وتل الزهور التي ظلت هادئة أيضاً، الى أن شهدت في الصيف الفائت حركة نزوح كبيرة قدرت بالمئات من اللبنانيين والسوريين من هذه القرى، حيث اعتبرت حركة النزوح هذه الأكبر من نوعها منذ أحداث تلكلخ 2012 وأتت اثر قيام شبيحة الأسد بقتل اللبناني نايف محمد المنفي وهو لبناني من سكان المعاجير، إذ قتلته على مرأى من أقربائه وذويه، ما أدى الى حركة نزوح كبيرة اثر تهديدات بحرق البلدات الثلاث، ومشاهدة المئات من المواطنين يهرعون عبر الأخاديد والممرات البرية عبر مجرى النهر الكبير الى قرى وادي خالد، كما حملت السيارات والدراجات النارية الأمتعة الممكنة، وتمكن الأهالي من سوق المواشي من أبقار وأغنام الى الداخل اللبناني.

يومها ورغم القرابة القوية، قرابة الدم ايضا، لم يتحرك سكان وادي خالد لحماية هذه القرى والقتال في داخلها دفاعا عن اخوتهم كما يجري اليوم ايضا في قرى شرق وغرب العاصي ، كما لم تتحرك هذه القرى يوم كانت تدوي اصوات انفجارات الالغام الارضية التي ايضا اصابت الشبان اللبنانيين من سكان العويشات السورية. هذه المنطقة التي تتميز بانتشار العشائر والعائلات الكبرى بما فيها الأكراد والتركمان ويقطن البعض منهم وهم على صلات قرابة وثيقة مع اهلهم في وادي خالد .

اليوم تبدو كل هذه القرى السورية خالية من سكانها الذين ينتظرون العودة الى ربوعها، وهم يكابدون أقسى الظروف الاقتصادية والاجتماعية، ولم يشكلوا ميليشيات مسلحة للدفاع عن أعراضهم وقراهم، ولم تنبر عشائر وادي خالد للدفاع المستميت عنهم ورفع السلاح بل جل ما فعلته هو أنها فتحت بيوتاتها لاحتضانهم وايوائهم على طريقة اغاثة الملهوف.

أمام هذه الوقائع وغيرها تسقط ادعاءات الذين يقولون ان هناك من يدافع عن أرضه وقراه من غزوات الآخرين، وإلا أيضاً كان الحري باللبنانيين في عكار أن يدافعوا عن اللبنانيين الآخرين على غرار قرى غرب العاصي وريف القصير وهم ايضا يتمزقون الماً على مصائر اقربائهم واهلهم في هذه القرى، وكان حري أيضاً بمقاتلي “حزب الله” أيضاً أن يدافعوا عن اخوانهم اللبنانيين في هذه القرى، وبالتالي يتضح حجم تورط البعض في الشأن السوري لأسباب معروفة هي أكثر مما يجري تسويقه، رغم أن قرى المعاجير والعويشات وحالات وجسر قمار وهيت والبويت وغيرها لا تبعد كيلومترا واحدا عن الساتر الترابي السوري الذي أقامه السوريون بعيد انسحابهم من لبنان عام 2005 .

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل