|
رحل الكبير بيار صادق، ولا تصدق أن الصادق رحل. على امتداد أكثر من نصف قرن كانت رسومه اليومية (كالمسرح اليومي) من خبز القارئ والمتفرج. كأنما ديك النهار ما كان ليصيح إلا بين خطوط لوحة ساخرة منه. أو مواجهة في سبيل الحرية. فنان الحرية بيار صادق. في أزمنة الخطر. وفي الأزمنة الأخرى. ما كان يزدهر بهذه القوة والتألق والنفاذ إلا عندما يُحوَّل رسمه قضية. قضية في مفارقة. أو مفارقة في قضية. تابعتُه في عهود عدة من “النهار” إلى “L B C” فإلى “الجمهورية” فإلى “تلفزيون المستقبل”. وفي عهد ما كان يسمى المكتب الثاني كان في صدر المواجهة، مع الثنائي الكبير غسان تويني وميشال أبو جودة. كأنها صلاة ثلاثية في روافد لا تنتهي ونتذكر كم تعرض لتهديدات في تلك الأزمنة والمخاطر.. حتى جاءت الحروب، فبقي في عمق هذا الزمن الاستثنائي. الفنان الاستثنائي لا يستثني انخراطَه بين مناخ ومناخ. زمن الفنان ينغرز في الحياة. أو في الواقع، أو في الازمات الكبرى، والحروب. وينغرز فيها بكل كيانه وجرأته. فعندما ترّحل أو صَمت “أبطال الحرية” في عهد أوقات الدعة والراحة، بقي بيار صادق في جذوره في أيام الموت والخطر والارهاب والترهيب والميليشيات والوصايات والتقسيم والكانتونات، “أبطال” الخراب الجميل، و”التمرد” و”النسق”، والثورة وجنون الحرية (على الورق البرفيري)، اختبأوا وراء قداساتهم في الزوايا… خوفاً على “جلودهم” الغالية. بيار صادق من هؤلاء الجامحين المغامرين. لا حساب لحياته وانما لقضايا الحرية والسيادة والوطن، في أزمنة “الفقدان” والمجازفات. كأنَّ كل رسم خطه جوازُ سفر إلى الموت. أو تهديد. أو وعيد من أهل الوصايات والقتلة والعملاء. هذا هو بيار صادق. الواحد في كل فصول الكرامة والوقوف والصمود. (وأيّ شاعر هذا يدّعي جنون الحرية وهو أليف السلامة، و”الأمان” والجبن!) . اتذكر ان القارئ اللبناني والعربي كان ينتظر الصفحة الأخيرة في “النهار” صفحة كاريكاتور بيار صادق. وأحياناً يفتتح الجريدة بها. أما عندما يلتقي الثلاثي غسان تويني وميشال أبو جودة وصادق في عدد واحد… فكانت احتفالية ومتعة يدشن بها الصباح. ثلاثة ديوك في واحد: يصيحون، تويني بذلك التحليل العميق اللاذع وأبو جودة بعموده المكثف، الملتقط بشفافية بالغة جوهر الحدث، والمعلومات التي تشحنه في موقف يخترق المألوف وبيار صادق بلغة الكاريكاتور يختزل الكلام الموقف بأعماق مفارقاته حتى باتت بعض رسومه أبين من أشخاصها. وأتذكر عندما كان رسم الرئيس فؤاد شهاب… وعلبة سجائره “يننجي” ودخان يتصاعد من كرسي لا نرى من صاحبها سوى يده. لذع بيار حتى مع حلفائه. أتذكر ذلك الكاريكاتور لريمون اده وزيراً للداخلية (ايام الوزراة الرباعية في عهد الرئيس شهاب) وقد “حرد” العميد .. وعندها عرفنا ان بيار رد على صديقه الصدوق.. “انت ضمير الديموقراطية يا عميد!”. وكذلك عندما رسم الرئيس كميل شمعون وصائب سلام ورشيد كرامي ورشيد الصلح والشيخ بيار الجميل… والرئيس حلو، وصولاً إلى الرئيس الياس سركيس… لم ينج أحدُ من لذعته. انها اللذعة الساخرة على حدود المفارقة أحياناً، وعلى حدود القسوة أحياناً أخرى… وعلى حدود “الكوميديا” أحياناً اخرى، تضحك مع ريشة بيار صادق. وتدمع وتغضب. ولكن لا تيأس ابداً في أزمنة الوصايات العديدة على لبنان من سورية ومن منظمة التحرير واسرائيلية وعربية… بقي بيار صادق في خطوطه الأمامية (وهنا أتذكر الراحل الكبير ناجي العلي) خصوصاً عندما بدأت موجة الاغتيالات. والمجازر والحروب الجامحة . بقي على خطوطه الأمامية في مواجهة كل هؤلاء الذين كانوا يريدون ان يدفنوا وطناً أكبر منهم. وان يقسموا أرضاً أوفى منهم. وان يتقاسموا حصصاً لا يستطيعون ابتلاعها: هنا. وسط الدمار والرعب والخراب والتدمير والتهجير كان بيار صادق الضمير المنتصب، الصوت المليء الصارخ في برية الدمار واليأس، ونتذكر انه هُدد من قبل الوصاية السورية.. مرات. ولم يلتفت إلى هذه التهديدات ووجهت إليه تهم من بعض الفصائل الفلسطينية التي تركت قضيتها وبركت في زواريب بيروت تنتظر “فتح” طريق جونيه لتصل إلى فلسطين. ولم يوفر لا أحزاب “الشرقية” ولا “الغربية”. مجّ هذه “التسمية” التي قسمت البلاد بين خطوط تماس دموية، واوطان عديدة.. وكانتونات تفقس بين القبائل والعائلات والمذاهب.. وعندما أعلنت ثورة الأرز… كان بيار صادق من روادها. بل لعله مع قلة من الشعراء والكتاب والصحافيين مهدوا لتلك الانتفاضة. عندما ظلوا مثله في خطوط المواجهة يدافعون عن سيادة لبنان وحدوده وديموقراطيته وحريته. أي عندما كان مثل هذا الكلام من المحرمات بل ومن صنف “الخيانات” (من قبل عملاء الوصايات نفسها). مهد لثورة الأرز من خلال التزامه ثوابت الوطنية من خلال التجرؤ على كبار الطغاة وصغارهم… من خلال التمسك بوحدة هذا البلد ودوره الطليعي وشعبه الواحد. لمع في زمن انتفاضة 14 آذار… كما لمع وسط الارهاب والقتل والمصادرة والعنف. اللامع بقوة في كل الفصول. والرائع، انه على قدر ما كان يتقدم في التجارب والاعمار (عاش أكثر من عمر، وأكثر من حياة: هذا شأن الشجعان ومقتحمي المحظورات) كانت لغته اكثر اختماراً تستبقي الموقف على نضارته واللعبة على عنفها. واللغة “التشكيلية” على تمكنها ومهنيتها وصوغها؛ فلا ترهل عند بيار صادق ولا وهن، في تفاصيل رسومه. وفي دلالاتها ومعانيها وسخريتها وشعريتها. انه الساخر بشعرية عالية والشاعر بسخرية نافذة. واذا كان فن الكاريكاتور هو فن المفارقة. (أو الغلو احياناً) أي الفن الذي يختصر شخصاً بما يميزه فيزيقياً أو سياسياً، فان بيار صادق من أبرع الفنانين العرب ويكفي أنه تراجع بعض الوجوه والقامات.. التي رسمها في السنوات الأخيرة لتتأكد كيف يلتقط “الجوهر ” من التفاصيل: الأنف أو الفم، او القامة… لكن لا يكتفي بيار صادق بمثل هذه العناصر، فهو يضيف الحركة (فنان الحركة) والأزياء. وفضاء الرسم. لا أظن مثلاً ان فناناً صاغ “شخصية” الجنرال عون بمثل ما صاغها بيار، كأنها مسلولة من داخله وفكره وتاريخه وشكله. البرتقال واللون البرتقالي… والوجه والقفزة واللون. ساخر لكن سخريته لا تتوقف هنا، بل تتعدى ذلك إلى الموقف والموقع انه اللاذع هنا، لكن الضاحك. وغالباً ما تكون الضحكة مرة (واحياناً قهقهة) ونتذكر بيار صادق الانسان والفنان عندما كان يرثي الكتاب أو الفنانين: من فريد الأطرش إلى عبد الوهاب وأم كلثوم وعاصي الرحباني.. فبأي شعرية وسلاسة وشفافية يختزلها في توديع الكبار وكذلك بعض السياسيين كالرئيس الشهيد رفيق الحريري. وبعض شهداء ثورة الأرز وقبل ذلك كميل شمعون.. ثم غسان تويني وجبران تويني فالدمعة هنا بملحها الجارح والخطوط والألوان بما توحيه من فقدان وخسارة لكن مع توجيه السهام (وهو مسدد بارع) الى القتلة المفترضين بعنف المفجوع. فبيار صادق الذي حضر في مراحل هذه الجمهورية منذ بداياتها وما بعد الاستقلال حتى اليوم. وكذلك الأحداث العربية وثوراتها وطغاتها وهزائمها كان أكثر من شاهد “يُبلغ” وأكثر من “وصاف” ومتابع، وأكثر من مهني أو موظف.. كان “حمّال” القضايا الكبيرة… والتفاصيل الحياتية والمشاكل الاجتماعية راصداً الحكومات والبرلمانات وحتى المؤسسات العسكرية والأمنية.. كان “حمال” هموم من كل ضرب وصنف: في الشارع ، في السرايات، في الاضرابات، في التظاهرات (دعم الحركة الطالبية في السبعينات دعماً قوياً) فهو أنيق في رسمه وشعبي في آن واحد. الاناقة في التمكن واللون ونظافة الرؤيا الغنية وسعة المخيلة (الكاريكاتور فن المخيلة الطالعة من الواقع وفن الواقع الذي يغذي المخيلة). وهو قريب من كل الناس من دون اغراق في أي نوع من التنازلات. واذا كان بيار صادق أحد ضمائر لبنان الوطنية، فهو احد كبار الفنانين اللبنانيين والعرب والعالميين. له نكهته الخاصة ولغتة المتميزة واسلوبه المنفتح (على غير انغلاق ) ومداه المتنوع.. فله الفسحة الوسيعة على مساحات الكبار وله الموهبة الرحبة على مساحات الكبار وله ذلك الحضور .. اليومي الذي كان ينتظره كل من يقرأ جريدة، أو يشاهد تلفزيوناً. وهل ننسى الخطوة الكبيرة التي قطعها عندما كان أول رائد في “الرسم الكاريكاتوري التلفزيوني المتحرك” انه مدرسة في الطليعية, ومدرسة في الحرية والديموقراطية وفي الظرف واللذع والسخرية.. والالتزام! فألف رحمة عليك يا بيار صادق! ولن تكفي دمعة لكل هذا التاريخ. ولن يكفي تاريخ لكل هذه الابداعات! ذلك ان امثالك لا يُغتفر لهم ان يرحلوا عندما يكون الوطن في حاجة اليهم. عندما يضاف الى أزمنة “النقصان” مغادرة الكبار. فلأنك حاجة ابداعية. ولأنك ضرورة انسانية. ولأنك انتظار دائم.. يكون لنا وللبنانيين الدائرين في دوامة المجهول وطغيان “الآلهة” الصغار والمثقفين الذين اهتدوا دربك الوعر، والمواطنين الذين يكادون يفقدون البوصلة بين الخوف والوصايات والسلاح، والناس الذين تحيق بهم الوساوس أو يغرر بهم الصمت.. هؤلاء كلهم سيحسون ان صوتاً عالياً.. قد صمت على قدر ما ارتفع، وان اصابع شفافة سكتت على ازمنتها المقبلة وان القهقهة الملأى بالسخرية ستفقد دوّيها اليومي وان الجرأة المجاهرة والمقحمة ستبحث كثيراً عن فنانين وكتاب وصحافيين ليكملوا الدرب الوعر الخطر الذي افتتحته قبل أكثر من نصف قرن.. وما زال مفتوحاً |
أسدل مسرحه اليومي ورحل
المصدر:
المستقبل