#adsense

لبنان ودع بيار صادق بمأتم مهيب ترأسه البطريرك صفير

حجم الخط

ودع لبنان واهل الصحافة والفن، عند الثالثة من بعد ظهر الخميس، رسام الكاريكاتور بيار صادق، في مأتم مهيب في كاتدرائية مار جرجس المارونية وسط بيروت، ترأس فيه الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير صلاة الجناز وعاونه النائب البطريركي العام المطران رولان ابو جودة ممثلا البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ومطران بيروت للموارنة بولس مطر ولفيف من الكهنة، في حضور وزير الاعلام في حكومة تصريف الاعمال وليد الداعوق ممثلا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي، النائب هنري حلو ممثلا رئيس مجلس النواب نبيه بري، محمد المشنوق ممثلا الرئيس المكلف تشكيل الحكومة تمام سلام، النائب نهاد المشنوق ممثلا الرئيس سعد الحريري، نائب رئيس حزب الكتائب سجعان قزي ممثلا الرئيس أمين الجميل، وحشد من الشخصيات السياسية والاعلامية والفنية والاجتماعية.

وبعد قراءة الانجيل المقدس تلي الرقيم البطريركي وجاء فيه: “بأسى ورجاء مسيحي تلقينا خبر وفاة فقيدكم الغالي المرحوم بيار عبده صادق فيما نقوم بزيارتنا الرسولية في البرازيل. ورغم المسافة الشاسعة التي تفصلنا عنكم، نشعر بأننا قريبون منكم بالقلب والروح والصلاة، ونعرف أنكم تدركون أن الموت هو مصير كل حي، وأن من آمن بالمسيح، وإن مات فسيحيا، وكل من يحيا ويؤمن به لن يموت أبدا (راجع يو11: 25-26). والفقيد عاش هذه الحقائق الايمانية والتزم بها. وقد شئتم أن تنعوه أيضا إلى صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الكلي الطوبى، الذي يشاطرنا مشاعرنا وصلواتنا وتعازينا.

تخرج بيار صادق بعبقرية مميزة من الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، وعمل رساما للكاريكاتور متنقلا بين صحف عدة: الصياد، والنهار، والعمل والجمهورية، وفي محطتي أل. بي. سي ثم المستقبل التلفزيونيتين. وكان قد عرض لوحاته لوسائل الاعلام وهو لا يزال طالبا. وكان رسامو الكاريكاتور قلة آنذاك. كان بيار صادق يختصر أخبار يوم بكامله في لقطة واحدة، وعرف أن يضيف إلى الكاريكاتور نكهته الخاصة، وإلى رسمه القيمة السياسية الساخرة والنظرة الثاقبة، فأصبحت ريشته محطة مسائية للبنانيين، بعد نشرات الأخبار، ليلقوا عنهم هموم السياسة وأوزارها، ويستأنسوا برسوم شكلت دائما مرآة لمأساة الوطن وحولتها الى قصة تحاكي التاريخ. كما كان أول من أبدع في الكاريكاتور التلفزيوني المتحرك، ما جعله من رواد الكاريكاتور في العالم العربي.

برحيله يفقد لبنان والوطن العربي وجها باسما، راقيا في أدائه، وحرا في تعبيره، وحاملا لواء الدفاع عن الديموقراطية بعين الناقد، أينما حل وفي مختلف وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية التي شهدت على تاريخه النضالي المقاوم الذي لم يهادن على مبادئه طوال عقود. كل ذلك استحق له وسام الأرز الوطني برتبة فارس، ووسامين برتبة ضابط، ونال جائزة سعيد عقل مرتين وجوائز عدة أخرى. وفي حفل منحه وسام الأرز من رتبة كوموندور، اعتبر أن هذا الوسام ليس له شخصيا، “بل لوطن إسمه لبنان، لأنه إلى الآن، كثيرون كرموا، لكن لم يكرم لبنان بعد، ولا زلنا ندوسه، ونتمنى أن نقول: كلنا للوطن، وليس كلنا على الوطن”. ومن جهة أخرى، له مؤلفات من أبرزها “كاريكاتور صادق” و “كلنا عالوطن”، كما أنه أقام معارض في لبنان والخارج، كان آخرها في واشنطن. كل ما سبق يدل على ما تميز به الفقيد من مواطنية صادقة، وتمسك بالديموقراطية الحق، وما تحلى به من صدق ومحبة للناس، فبادلوه إياها بمحبتهم له، كما يدل على ما وهبه الله من قدرة على الإبداع في فنه والأناقة في أدائه. فجمع بين الفن والأخلاق والإيمان. كما كان وديعا، متواضعا فلا الشهرة الواسعة التي اكتسبها، ولا النجاح الكبير الذي أحرزه جعله يتكابر أو يتعالى بل بقي هو هو، على سجيته.

على هذه الصفات والفضائل سعى أن يؤسس عائلته بالتعاون مع شريكة حياة فاضلة تضاهيه أخلاقية وتدينا تنتمي إلى عائلة الرجي الكريمة، فربيا معا ابنيهما وابنتهما على مبادىء الدين والأخلاق والمواطنية المخلصة، كما وفرا لهم أن يحصلوا ما حصلوا من علم وثقافة عالية وقرا عينا بهم ينمون أمامهم بالقامة والحكمة والنعمة. وكانا أمامهم المثل الصالح، فالوالدة هي رئيسة الجمعية الخيرية في الحازمية والوالد تشده إلى كل من شقيقه وشقيقته أواصر الأخوة الصادقة، وكلاهما يتمرسان بإيمانهما، بما في ذلك قبول الأسرار الإلهية. وقد تناول القربان المقدس غير مرة في المستشفى فيما كان يتحمل مرضه بصبر مسيحي جميل، مشركا آلامه بآلام الفادي الإلهي. وإذا ما كان المرض تمكن من جسده فإن روحه الصادقة كما ريشته التي خطت الفرحة والبسمة في كل منزل ستبقى محفورة في أذهان كل محبيه وقلوبهم. وقد أغمض عينيه عن أنوار هذه الدنيا آملا، ويمكننا أن نأمل معه، أن يفتحهما على أنوار الحياة الأبدية حيث يكافئه الله تعالى على رسالة الصدق والفرح والأخوة والمحبة والسلام التي أداها، وهي من وحي إيمانه به، وعلى تأسيس عائلة مؤمنة وملتزمة كنسيا ووطنيا.

على هذا الأمل وإكراما لدفنته، وإعرابا لكم عن عواطفنا الأبوية، نوفد إليكم سيادة أخينا المطران رولان ابو جوده، نائبنا البطريركي العام السامي الاحترام، ليشارككم في الصلاة لراحة نفسه وينقل إليكم تعازينا الحارة. تغمد الله روح الفقيد الغالي في أخداره السماوية وسكب على قلوبكم بلسم العزاء.

وختاما، ألقت زوجة الراحل حنان كلمة العائلة ومما قالت: “كان بيار صادقا وصخرة مليئة بالعاطفة مسند الجميع. وكان صادقا في دقة قلبه، في وفائه لسر الزواج، في ريشته على الورق وفي علاقته مع الله، في عشقه للبنان وفي احترامه لكل المؤسسات”.

المصدر:
الوكالة الوطنية للإعلام

خبر عاجل