في حين ترتفع وتيرة تدخل سلاح “حزب الله” في القتال الى جانب النظام السوري، لا يألو رئيس الجمهورية جهداً في الدفاع عن اللبنانيين وحدود لبنان ودستور جمهورية أقسم وحده يمين الحفاظ عليه والسير بهديه والإحتكام إليه. ولأنه مدرك أحكام كل مادة في الدستور، وخوفاً منه على وحدة اللبنانيين وميثاق العيش المشترك، دعا سليمان الى “عدم السماح بإرسال أسلحة أو مقاتلين الى سوريا، وعدم السماح بإقامة قواعد تدريب داخل لبنان”.
وهذا الموقف يأتي تعقيباً على تطورات عدة برزت في الفترة الأخيرة واستكمالاً لمواقف سابقة له، إنطلاقاً من اطّلاعه من قيادة الجيش على ما يجري على الحدود، ومن ثم تمنياته على وزير الخارجية منذ أشهر بإرسال مذكرة احتجاج الى السفارة السورية. لكن الفرق شاسع بين من أقسم يمين الحفاظ على الدستور ومن أقسم يمين الجهاد بالسلاح دفاعاً عن نظام فاسد ومجرم. كثيرا ما استبق رئيس الجمهورية الأحداث معوّلاً على الروح الوطنية والمصلحة المشتركة التي لا تتحقق إلا باتحاد جميع اللبنانيين، فـ “حزب الله” المعني الأول والأخير غير مكترث لأمر لبنان ولا تعنيه أحكام الدستور بعدما اتّخذ عهداً على نفسه الوفاء للمحور الإيراني-السوري الفاقد جناحه الأخير، حتى أن الحزب يُسقط من أجندته اتفاقه مع الأطراف اللبنانية حول “إعلان بعبدا” بملء إرادته وربما يعتبره غلطة عمره.
غير أن الفوضى استشرت واستفحل داء السلاح على الحدود بين الداخل والخارج، ولم يعد رئيس الجمهورية اللبنانية يحتمل من يخرقون القانون ويجاهدون في سبيل النظام السوري وهم لبنانيو الأصل. ابتكروا في سوريا ما سبق واخترعوه في لبنان تحت عنوان “تحرير مزارع شبعا”، لم يتركوا ما للبنان للبنان وما لسوريا لسوريا، ولم يتركوا “للصلح مطرح”.
لم يعد يخفى على أحد الإنقسام اللبناني الحادّ بين المحايد الذي لا ينشد سوى مصلحة لبنان وبين من يحشرون أنوفهم في بلد لا يعنيهم. لا تستحق أمّهات لبنان أن يخسرن أبناءهن لأن النظام السوري متعطّش للدماء، ولا يستحق اللبنانيون في أي منطقة كانوا أن يتعرضوا لقذائف بعثية من الجانب السوري، ولا تستحق حدود لبنان الشمالية أن ينقسم اللبنانيون بين مجاهدين لا مرجعية لهم في لبنان ومواطنين أصليين.
في دعوته، يرمي رئيس الجمهورية السياسة جانبا ويحيّد “إعلان بعبدا” للحظة موصيا بالوحدة “(..) ليس فقط التزاماً وتطبيقاً لإعلان بعبدا وسياسة عدم التدخل في الشأن السوري، ولكن أيضا لتحصين الوحدة الوطنية اللبنانية وتجنيب العيش المشترك اي اهتزاز او اضطراب”. الدستور يفرض على رئيس الجمهورية أن يكون موجّهاً، مرشداً ومراقباً، وفي مراقبته للأمور ومقاربته للأحداث أراد سليمان أن يُبعد عن لبنان شبح الإهتزاز والإضطراب، وأن يزيح عن اللبنانيين غيمة قد تهدد العيش المشترك في وطن كرّس في مقدمة دستوره العيش المشترك سبيلاً الى الإستقرار بعيدا عن أي فرز أو تقسيم..
أفشى “حزب الله” عوارض داء السلاح في لبنان قبل أن يحتاجه الأسد في سوريا، هدد التعايش المشترك في لبنان وها هو يهدد ثورة شعب في سوريا دون أن ينجح.. لم يقرأ أصحاب القرار في “حزب الله” ربما كيف أُغرم الأثينيون بمدينتهم أثينا التي عرفت الإزدهار وتغنّت بقيم أبنائها السياسية، لو قرأوا ذلك لكانوا تراجعوا عن جهادهم من أجل وطن لا ينتمون إليه، واقتنعوا بأن البقاء تحت سقف الدستور وحده يحمي الوطن من الإنقسام والفرز، وتفهّموا دعوات رئيس الجمهورية النابعة من القانون والوحدة التي يكرّسها الدستور.. فعلى من تقرأ مزاميرك يا داوود؟