#adsense

بيار صادق العبقري المدلـّل

حجم الخط

قلة هم المُلهمون الذين يتكوكب في شخصهم أكثر من إلهام، فالعبقرية تولد في شخص والذكاء يهبط على آخر، وخفة الظل تنضح من ثالث، والإبتكار من رابع، وما اليها كلها، إذ إن العبقري عبقري والشاعر شاعر والمثقف مثقّف والفنان – بالمعنى السامي للكلمة – فنان.
وحده بيار صادق كان هذا وذاك وذلك. وهو وحده الذي لا يمكن أن تعرفه من دون أن تحبه وتعجب به.
وبيار صادق ابن بعبدا، والدته ليندا رجي من كفرشيما البلدتين اللتين تمثلان مع وادي شحرور مثلث المواهب في المتن الجنوبي، من شبلي الملاط وشقيقه تامر الى آل اليازجي وفيليمون وهبه وملحم بركات وحليم الرومي وماجدة الرومي، الى شحرور الوادي وكروان الوادي وأنيس روحانا وصباح. تنقّل بيار في دروسه من مدرسة مار جرجس في كفرشيما الى الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، وصدفة مرّ بصفوف “التكنيك” في أحد معاهد ساحة الدباس في بيروت، لأن الرسم لم يرق للعائلة التي اضطرته الى الاختباء تحت السرير ورسم السياسيين ( ملحق “النهار” – الياس خوري وبلال خبيز 16 تموز 1994 ).
بدأ بيار يقلـّد الرسامين قبل أن يبتكر خط الـ rond  وهو خط غير كلاسيكي، وحمله هذا الخط عام 1956 الى جريدة “الصحافة” التي كان يملكها أحد المغتربين من آل مكرزل ويديرها الصحافي فرنسوا عقل، قبل أن تحمله موهبته الى مجلة “تي . في.” الصادرة عام 1959 عن شركة العلاقات العامة التي كان يرأسها غسان تويني ويديرها عقل نفسه، ثم “دار الصياد” فإلى “نهار” سوق الطويلة عام 1963، عندما اقترحه فرنسوا عقل على الاستاذ غسان تويني.
وبيار صادق كان ابن “النهار” المدلـّل له “جمهوريته” الى جانب “جمهورية” الاستاذ ميشال أبو جودة، ومكتباهما متلاصقان في الطبقة السادسة، وهناك كانت “تحاك المؤامرات”. كل السياسيين مروا من هناك، وكان ميشال – عفواً الأستاذ – وبيار “الصديق” مكملين أحدهما للآخر في ايجاد فكرة الكاريكاتور وتنفيذها، ثم في نظم الزجل عندما كان الكاريكاتور يقتضي ذلك. وإذا “تمرّدت” الفكرة كان – مع حفظ الألقاب – غسان تويني وفرنسوا عقل ومارك رياشي وتقي الدين الصلح وريمون إده يؤلفون “المجلس التقريري”، من دون أن ننسى مداخلات كميل شمعون وكمال جنبلاط. والقاسم الأبرز في “الفكرة” كان المكتب الثاني ومَن يدور في فلكه.
… وكم من مرة كان اقتضاء الزجل؟! ومن نماذجه عندما ظهر طيف السيدة العذراء فوق كنيسة مار ساويروس في المزرعة في بداية السبعينات، رسم بيار صادق كاريكاتوراً يظهر طيف العذراء والعميد ريمون اده يغني ردة مستوحاة من احد الوزراء السابقين الشعراء: يتمجـّد اسم العدرا … منين بـــدّا تفوت … ما دام المكتب تاني مسكـّر بيروت؟
وبيار صادق الذي أشرق خصوصاً من “النهار” بعد إطلالات من “الدبور” و”الخواطر” و”الشبكة” ثم “العمل” في بداية الثمانينات و”الجمهورية” في صحف ومجلات عدة، كانت له “متاعب” مع الأجهزة ، وخصوصاً عندما منع الأمن العام الإعلانات عن “النهار” بسبب مقالات غسان تويني وتوجهات الجريدة المعارضة للرئيس سليمان فرنجية على رغم أن الرئيس فرنجية كان أحد أبرز رسومات بيار الكاريكاتورية حتى إن من دخل مكتبه أو مكتب ميشال أبو جودة كانت تواجهه صورة ضخمة للرئيس فرنجية باللباس اللبناني أي اللبادة والشروال والمسبحة و”بز السيجارة” على المدخل. وقد يكون الكاريكاتور الأكثر تعبيراً صورة مأمور يقول لميت ممدّد “عم نبّهك … هيدي آخر مرة بتنشر نعوتك بـ”النهار” وإلاّ ما بتكون مبسوط” ( 24 /5 / 1974).
كذلك اضطر بيار صادق الى السفر بتفاهم مع جبران تويني  – رحمه الله – وتنسيق معه أيام حكومة الرئيس سليم الحص في عهد الرئيس اميل لحود يوم شكا الحص من تنصّت على هاتفه متهماً الأمن العام بذلك، وكان الكاريكاتور يمثّل الرئيس الحص يتحدث عبر الهاتف ويسأل: “ألووو … السيد جميل”.
بيار صادق المدرسة في رسم الكاريكاتور، ومبتدع الكاريكاتور المتحرّك من ال” ألـ. بي. سي.” الى “المستقبل”… غاب … لم يغب.
بيار الذي كان كثر يبدأون قراءة “النهار” من الصفحة الأخيرة حيث كلامك المعبر بالكاريكاتور، ستظل اسماً كبيراً، وعبقرياً وشاعراً ومبتكراً وخفيف الظل.
بيار صادق الصديق … لا لم تمت.

المصدر:
النهار

خبر عاجل