الآن لك ان ترتحل باكراً، وعلى عادتك ضاحكاً وبكثير من السخرية والألم المكنون، ولي انا بالذات ولنا نحن شلّة اصحاب العمر، ان نغرق في اللوعة ودموع الحسرة. لي انا مرة اخرى ان اكتب هذه المرثية التي تقتلني، مرثية رحيلك وانت تبتعد مثل شراع يشق عباب ما ملكت وملكنا من دموع .
هكذا اذاً يا بيار صادق؟
تترجل وتمضي باكراً في صمت، ولكأنك اخترت ان تكون وحدك، صانع طقوسك في المجيء وفي رحلة العمر وفي وداع ليس كالوداع، تمضي في صمت لأنك لم ترد ان ترى فينا حزناً او دمعاً حبيساً يتفجر اخيراً، عليك وعلى تاريخ ابداعك الذي طالما افترضوه ضحكاً لكنه كان لك مثل صريف الاسنان … هكذا تتسلل في صمت ليدخل تاريخ من دموع البكاء بعد تاريخ من دموع الضحك، وما الفرق الدمع دمع !
ايها الفارس المترع بالحزن المقنّع، تترجل عن صهوة ألمَين، ألم ان تكون طول العمر في الصحّ وانت في بلد يمجّد الغلط، وألم ان تستمر في قهر الألم بالضحك وانت طريح الفراش وقد شاءت القسوة [ لماذا تكون الاقدار وحشية الى هذا الحد؟] ان تضيّق عليك حتى انفاسك، وانت الذي خلقك ربك ضائقاً بهذا المدى المحزن من الفريسيين، الذين طالما وضعوا لبنان على خشبة، وطعنوه بحراب، ووضعوا الخل في جروحه، التي كانت دائماً جروحك انت وجروحنا سويّة في ساعات الضيق والشكوى اليائسة بيننا، والتي انتهت بأن نرشّ ملح الضحك على جروحنا النازفة التي لم ولن تلتئم !
هكذا اذاً يا بيار صادق، ايها الصديق، الصادق والصدّيق، ترتحل باكراً وبلا وداع “ولوووو”، وانا جار العمر في الصفحة الاخيرة من “النهار”، وجار العمر ونحن نهرب بالأولاد في الحرب من بحر الى بحر، وجار العمر تحت القصف نتقاسم صوت رصاص القنص على جدران الصحف، وجار العمر نتشارك روائع الرحابنة في طرائفهم كما في خوفهم الرائع، وجار العمر في الحزن المقيم الدائم وراء قناع الضحك وفي اعماق الألم … ولطالما عرفتك كما لم يعرفوك، رسول الهام وصاحب مدرسة عملت كل حياتك على قاعدتهما : الأعمق والأصدق في التعبير الانساني ان نهزم الألم بالضحك ونداوي الوجع بالسخرية… والألم حتى الثمالة والسخرية حتى النفس الاخير !
ويا “بياراً”، على طريقة حنان ريشتك المكسورة والالوان، لقد عرفت انت كما عرفت انا انه كان وداع العمر المجروح حتى الاعماق، عندما قبلت رأسك للمرة الاخيرة قبل اسابيع، لأخرج من المستشفى فأرى الطريق فقش دموع، وان ما بين الناقورة والنهر الكبير دهرا من “رجال كاريكاتور ” لم ترسمهم انت، بل تألمت ساخراً لأن لبنان يستحق وطناً !