التحديات الهيكلية والإدارية والمنهجية في وجه النمو

هنالك مؤشرات واضحة لمشاكل تواجه الاقتصاد اللبناني ومشاكل منتظر ان تواجه الاقتصاد في وقت قريب. وأبرز المشاكل الواضحة حالياً:

– قصور البنية التحتية عن تلبية حاجات المواطنين، أي امدادات الكهرباء، والمياه، ومسارب النقل، والاستيراد والتصدير، وبالتأكيد عجز خدمات الهاتف النقال والإنترنت عن المعاصرة.

– زيادة العجز في الموازنة الى ما يساوي تقريباً نسبة 10 في المئة من الدخل القومي القائم (المقدر رسمياً بـ 42 مليار دولار) وهذا رقم نخالفه ونرى انه دون الحقيقة على الاقل بـ10   مليارات دولار.

– استمرار عجز ميزان المدفوعات عامين متتاليين 2011 و2012 وانخفاض معدل النمو الى نسبة 1,5-2 في المئة، وتحول الفائض الاولي من فائض بقيمة 1,4 مليار دولار عام 2011 الى عجز على مستوى 100 مليون دولار عام 2012.

– ارتفاع معدل التضخم والذي احتسبته دائرة الاحصاء المركزي على مستوى 10,2 في المئة، وفي حال تطبيق سلسلة الرتب والرواتب، وإن بالتقسيط، سوف يرتفع معدل التضخم ما بين 3 و5 في المئة حسب فترات التقسيط، وحينئذٍ سيكون هنالك ضغط على سعر صرف الليرة الذي شكل استقراره منذ عام 1993 ركيزة للاستثمار ونمو العمل المصرفي.

– لعل اهم تحد يواجه الاقتصاد اللبناني يتمثل في حجم القطاع العام الذي تضخم نتيجة تأثيرات الحرب الاهلية، وفُرض على الدولة انقاذ مؤسسات عدة صارت من صلب مسؤولياتها المالية، واوضح مثال على ذلك وضع مصلحة كهرباء لبنان التي احتاجت الى 1,8 مليار دولار من الدعم عام 2012. ومنذ 1998، وتولي فريق سياسي جديد مقاليد الامور في لبنان في نطاق خدمات الطاقة، تراكم عجز يفوق الـ14 مليار دولار بسبب دعم انتاج الكهرباء وتوزيعها. ومعلوم ان الخسارة التقنية على شبكة التوزيع المهترئة يوازي 18 في المئة من انتاج الكهرباء، والخسارة الناتجة من عدم تحصيل الفواتير تبلغ 45 في المئة.

المعضلة الاساسية في الاقتصاد اللبناني هي هذا النزف المستمر، والذي يتجاوز في الواقع المبالغ المذكورة لان المواطنين العاديين يبتاعون من المولدات الخاصة نسبة 45-50 في المئة من حاجاتهم في مقابل تكاليف تبلغ ثلاثة اضعاف فواتير مصلحة كهرباء لبنان، وتاليا يفوق الهدر الاقتصادي من موارد الدخل اللبناني أربعة مليارات دولار في قطاع الكهرباء.

لقد اتخذت خطوات لمعالجة قضية الكهرباء هي عموماً، وفي ما عدا بواخر الانتاج لفترة ثلاث سنوات، في الاتجاه الصحيح وإن تحققت متأخرة سنوات، ولا تزال قضية انجاز شبكة التوتر العالي مجمدة بسبب مواقف الاهالي في منطقة المنصورية.

– القطاع العام استنفد 31 في المئة من حجم الدخل القومي القائم، والواقع ان القطاع العام، بما يتبعه من مؤسسات مستقلة شكلاً وخاضعة للقطاع العام فعلاً، بات يشكل اكثر من نصف حجم الاقتصاد اللبناني الداخلي.

ولنأخذ عينة من المؤسسات المعنية. عجز كهرباء لبنان تشمله ارقام الموازنة، لكن مداخيل المؤسسة التي تقرب من مليار دولار غير مشمولة وتاليا تعتبر من الارقام غير المدرجة على ذمة الدولة واداراتها. وتضاف الى ذلك موازنة مصرف لبنان، وصندوق الضمان الاجتماعي، ومصلحة مياه بيروت، وميزانية مؤسسة ضمان الودائع، وكفالات، وطيران الشرق الاوسط، وحتى كازينو لبنان، ولن نعدد اكثر من ذلك، ونكتفي بالقول الذي رددناه كثيراً على صفحات “النهار”.

لقد بات القطاع العام المسؤول الاول عما يزيد على 50 في المئة من حجم الدخل القومي، والقطاع العام يشكو من تخمة على مستوى الموظفين العاديين والرقم التالي مخيف: لكل 7 تلامذة في المدارس الرسمية مدرس وفي المقابل لكل 25-30 تلميذا في المدارس الخاصة مدرس، والمراكز الحساسة تشكو من الفراغ وخصوصا لدى هيئات الرقابة، ووسائل الادارة وتحديد المسؤوليات ومنهجية العمل.

ان اهتراء الادارة، وضعف هيئات الرقابة بسبب فقدان الفرق المكتملة، والاستمرار في الاعتماد على الادارة الورقية، كل هذه الامور تعني ان لبنان لا يمكن ان ينهض اقتصادياً ما لم تتحقق ثلاثة امور حيوية:

اولاً: اصلاح الادارة وتحديثها وتنفيذ برامج الادارة الالكترونية في دوائر الدولة وجميع المؤسسات التي لها دور القرار فيها.
ثانياً: هدوء المناخ السياسي، وابتعاد السياسيين عن التحكم بشؤون الادارة سواء بالنسبة الى اختيار الموظفين الاكفياء، او التدخل في مجريات القضاء، فما دام لبنان مسيسا في ادارته وفي قضائه لا يمكن ان يقبل المستثمرون على لبنان.

ثالثاً: اطلاق المشاريع الحيوية في قطاع الكهرباء والمياه، والنقل، وتكرير النفط، ومعالجة قضايا البيئة، ولا يمكن النجاح في هذه النشاطات ما لم نشرك القطاع الخاص في الاستثمار والادارة في المقام الاول.

وعلى صعيد التربية لا بد من تحسين مستويات التعليم في المدارس الرسمية، واعادة النوعية الى فروع الجامعة اللبنانية، وتشجيع الاختبار والابتكار.

اخيراً، هنالك توقعات النفط والغاز، ولا شك في ان التصريحات الرسمية تستبق النتائج، وهذه لن تظهر إلا بعد انجاز عمليات التنقيب، وبعد العثور على مكامن النفط والغاز تقويم حجم الكميات والتكاليف، ومن بعد، وفي حال التأكد من جدوى الاعمال، انجاز المنشآت التي تسمح بالانتاج، ومن ثم استعمال الغاز وربما تصديره، كما تكرير النفط وكفاية الحاجات المحلية وربما تأمين طاقة تكرير تسمح بالتصدير في ما بعد وتحصيل مردود اقتصادي.

إن الزمن المتوقع قبل ان يتمتع لبنان بعائدات النفط والغاز لا يقل عن سبع سنوات، ولا شك في ان نظام الصندوق السيادي المقترح جيد، والمسألة هي ماذا سنفعل خلال السنوات السبع التي تفصلنا عن 2020 لتحفيز الانتاج وتحقيق معدلات نمو تراوح بين 5 و7 في المئة سنوياً ولسنوات. والنمو لن يتحقق في ظل النظام السياسي القائم ونزعة انتزاع المنافع لفريق او آخر على حساب الوطن ومستقبل ابنائه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل