Site icon Lebanese Forces Official Website

كان جلاء أتذكرون؟! (بقلم فيرا بو منصف)

لم نستمتع بعد كفاية. لم يسمحوا لنا بذلك. لم نحتفل بعد كما يجب بجلائهم عنا، فهم ما ان خرجوا حتى عادوا ودخلوا بالف قناع وقناع. الآن سقطت كل الاقنعة، وبانت كل الانياب، والدماء بحر هائج يتقاذفنا. جلاء جيش الاحتلال السوري عن لبنان 26 نيسان 2005، أتذكرون؟

ليس بذاك التاريخ البعيد، لكنه يبدو وكأنه ابن القرون البعيدة. هنا نجحوا، اذ نكاد ننسى اننا ذات لحظة مجد، انتصرنا ولو لمرّة عليهم. أخرجناهم بكل ذلّ العالم، من الارض التي كانوا يصادرون، من الارواح التي كانوا يخطفون، من القدر الذي كانوا لنا يرسمون. كادوا ان ينجحوا بأن يجعلوننا ننسى، لكن هل ينسى الانسان أن يتنشّق الهواء وأن يخفق قلبه حين يحب وأيضا حين يكره؟!

لا أنسى تلك اللحظة. هناك عند ضهر البيدر، وهم ينظرون لآخر مرّة قبل أفولهم، الى الارض التي رووها بدمائنا وشهدائنا ومعتقلينا، وزرعوها بليلهم واستبدادهم ونهبهم لخيراتنا وسمائنا ومائنا وكلّنا، لكن بقي أمر عصيّ عليهم، عجزوا عن التحكّم به رغم كل القيود والبلانكو ودواليب التعذيب والعملاء الاوفياء، الكرامة والشرف، عجزوا لانهم لم يملكوا يوما هذه النعمة، لذلك، وهنا تغلبنا عليهم…

أعود للمشهد. أسترجعه كي أعيش سعادة اللحظة الغالية. في الشاحنات التي بلا لون، وجوههم التي بلا ملامح، تغيب رويدا رويدا في المسافات. مدافع وراجمات وأسلحة علّمت فينا، حفرت كسكّة محراث في أجسادنا وفي تراب الارض، أسلحة حُجبت بأغطية سميكة كي لا تُكشف فضيحتها بانها هُزمت، أرض الاربعة مليون نسمة هزمت من يتحكّم بـ نحو خمسة وعشرين مليون نسمة… كان يتحكّم…

وهم يأفلون، نظروا الينا من تحت أهداب منحنية مثقلة باللاكرامة، كانوا يترجوننا لنرشقهم بزهرة وداع، أو على الاقل بعشبة برية خضراء ننتشلها من الحفافي، لكن حتى الحفافي بخلت عليهم، رفضت التخلّي عن واحد من أغصانها، لم تُرفع لهم يد ملوحة، لم نتمكّن، كنا نريد أن نرشقهم بالحجارة ولم نفعل، للاسف لم نفعلها، اعتبرنا انهم محمّلين بما يكفي من الذل، واكتفينا بالنظرات المحتقِرة تشيّعهم حتى آخر نقطة لهم عند المصنع…

كنا نظن انها النهاية. خرجوا اندحروا، نحن أحرار، الارض عادت لنا، عادت خضراء، عبقت رائحة الوزّال والطيّون واللوز، عادت السماء زرقاء، كانت رمادية، عشرات الاعوام ولم يتغّير اللون حتى في عزّ الشمس، هو لون القلب حين يجتاحه القهر وذل الاحتلال، كل الالوان عادت لتستقر في ذاك اليوم المنعش، 26 نيسان، يا الله كيف انهمر الايمان من جديد، الايمان بان كل قضية محقّة ستصل الى الاخضر الذي تنشده مهما طال الوقت…

ولكن، أستذكر المشهد الآن وأراهم هنا من جديد! لم نتوقع يوما أن تعيش سوريا ما تعيشه الان، الثورة السورية! يا الله ما هذا التعبير الرائع، كنا نعتبرها طرفة أن تعيش سوريا التغيير، كنا نحلم، وبصراحة متناهية، كنا نحلم بأن نرى دخان فيها جراء انتفاضة الشعب بعد اربعين عاما من الاستعباد يصل الينا عابرا السهل والجبل والمدن… لكن ما لم نكن لنتوقعه يوما ولا حتى في الخيال، أن يصبح لبنان أرض “مجاهدين”، ناس لنصرة الثورة وآخرين لنصرة النظام!!

في الذكرى الثامنة ليس كل شيء في موقعه الصحيح. لم يخرجوا بعد، لهم الاف الابواب يفتحها لهم عملاء وأحباء وهم كثر. في الذكرى الثامنة، تغيب الصورة الجميلة عن ذاك اليوم المشمس في نيسان، لتحلّ مكانها صورة عادت رمادية مجبولة بالكثير من الخوف، على الشعب السوري المقاوم الثائر صاحب اكبر الثورات العربية المحقّة، والاهم على لبنان، لبنان يا تلك الارض المقدّسة المحفوفة بالحبّ والخوف، عدتِ الى عمق عمق الخطر… فمتى يكتمل الجلاء؟!

Exit mobile version