يصطلح الناس على أنّ العقل هو الغريزة المُدركة التي منحت الإنسان منزلة بين المخلوقات التي تتشابه جميعها بالجسم اللّحمي، من هنا كان بياناً للروح أو الجوهر الإلهي المُفتَرض للذات الإنسانيّة العُليا. والعقل “النّاضج” حالة مستقلّة تسير وفقاً لمبادئ غائيّة، وهي مسؤولة عن أنشطة الإدراك والتقييم والإختيار والرويّة. ولمّا كان العقل هو خزّان الذكاء الخلاّق والإبداع اللاّمتناهي أو الإدراك المتيقّظ، كان هو أيضاً، وحكماً، مرجعيّة الإحتكام في كل الظّواهر والحوداث، ما يعني إخضاعها لمرشّحات خاصّة، فيقبل المُقنِع منها ويُرحّل ما لا يتّفق مع المنطق أو ما يعتبره ذا قيمة ضئيلة.
إنّ آليّة التحكّم العقلي غالباً ما تكون نشطة، وضبطها هذا كلّما ارتفعت نسبته عند الشخص كلّما زاد وعيه، فيصعب بالتالي خداعه. أمّا الإنخفاض في مستوى الضبط فإنّه يؤديّ الى قصور في حال الوعي ويصبح الشخص سهل الخداع. وهذا ما يفسّر بالتحديد استغلال بعض المرجعيّات السياسيّة تدنّي نسبة “العقل” عند النّاس، لغسل هذا العقل بتجريده من مقوّمات التعقّل، للسيطرة عليه والتلاعب بأهدافه واتّجاهاته وآرائه، ما يعني ممارسة خفيّة للإقناع الآليّ.
لقد طالعنا أحدهم ممّن يدّعون المعرفة في التاريخ أنّ معاهدة سايكس – بيكو التي قسّمت مناطق النفوذ في غرب آسيا بين فرنسا وبريطانيا، بعد تهاوي الإمبراطوريّة العثمانيّة في أواخر الحرب العالميّة الأولى، قد سلخت قرىً من الداخل اللبناني وألحقتها بسوريّا، وأنّ هذه المنطقة تضمّ مواطنين لبنانيّين من حقّهم على الدولة اللبنانيّة أن توفّر الحماية والرعاية لهم.
ولمّا لم تكن الدولة موجودة، وأجهزتها عاجزة أو “مُعَجَّزة” عن القيام بهذا الواجب الوطني، فقد منح الخبير في التاريخ الحقّ لمقاتلي “حزب الله” بالحلول مكان الدولة، وبالتالي برّر تدخّلهم في هذه القرى السوريّة الشكل، اللبنانيّة المحتوى بحسب رأيه، ووقّع صكّاً لجهادهم، ما يُسهم في إبقاء هذا الكيان “الحزبللاّوي” سالماً غانماً.
لقد فات الخبير الموثوق أنّه وقع في تهافتين اثنين، كلّ أخطر من الآخر. يتعلّق الأوّل بمفهوم السيادة، أي السلطة العليا المطلقة والشاملة للدولة على أرضها وسكّانها، وألاّ تعلو سلطة عليها وتنافسها في فرض إرادتها. ومعنى ذلك أن تبسط الدولة سلطانها على كامل أقاليمها، وتكون وحدها الآمرة والمتمتّعة بالقرار النهائي في كلّ الشؤون من دون مشاركة أيّ سلطة أخرى.
واستناداً الى هذا المفهوم (النّظريّ)، هل يمكن اعتبار وجود “حزب الله” في القرى السوريّة إلاّ انتهاكاً للسيادة السوريّة وتعدّياً على سلطة الدولة هناك، ما يعني شكلاً من أشكال “العدوان” بالقوّة مرفوضاً من أكثر السوريّين؟ أوليس هذا التدّخل أيضاً تسطيحاً للسيادة اللبنانيّة على مستوى القرار اللّصيق بالدولة وحدها، ونسفاً لبروتوكول هيئات الحوار المتعاقبة؟ أمّا أن يُقال إنّ الرئيس السوريّ اعتبر استدعاء “حزب الله” للتدخّل في الحرب الدّائرة في بلاده، قراراً سياديّاً لتأمين الإستقرار، فهذا الإعتبار لا يمكن إدراجه إلاّ تحت عنوان الخيانة العظمى، وتصرّفاً بمفهوم السيادة نفسه بحيث يصبح تأميناً لـ “الكرسيّ” فقط ولو على الاجسام المهشّمة. أمّا التهافت الثاني، فهو أمنيّ بامتياز. إنّ التدخّل الحربيّ لـ”حزب الله” في الداخل السوريّ، والذي بات خارج مجرى الشكّ، يستتبع حكماً تهديداً لأمن لبنان.
فالمواجهات التي يخوضها “الحزب” ضدّ الشعب السوري وجيشه الحرّ، سوف تضاعف خطر الردّ من جانب فيالق الثورة بحيث لن يُكتفى بقصف مواقع “حزب الله” المُتاخمة للحدود اللبنانية السوريّة فقط، بل يتعدّى الردّ الى العمق اللبنانيّ (وهذا التهديد صدر أكثر من مرّة على لسان المتحدّثين باسم الثورة)، ما يعني التعريض المجّاني للمواطنين للعبوات والتفجيرات والمواجهات في أكثر من منطقة، من دون أن يكون للدولة قدرة على صدّ هذا العدوان أو على تحمّل تداعياته. بالإضافة الى أنّ سلاح “حزب الله”، وقد تمّ التنبيه الى هذا الشأن مراراً، قد استنبت أسلحة أخرى فالتة، كما سلاح الحزب، لن يقوى سلاح الدولة على ردعها، وبالتالي ننتقل حكماً من عصر الدولة الى شريعة الغاب.
فيا سيادة الخبير المسؤول، وأنت تعزف على الوتر الإنتخابي، بات نشازك طنّاناً، فالتطبيل لـ”حزب الله” عبثٌ بالعقول واعتداء سافر على الكرامة الوطنيّة ممَثَّلةً بالسيادة والأمن، وهما حقّ مشروع للمواطنين الذين لن يسمحوا لأحد أن يعلن نفسه بطلاّ دونكيشوتيّاً فوق أشلائهم.