كتب حسن شلحة في صحيفة “اللواء”:
ما زال الرئيس تمام سلام المكلف تشكيل الحكومة يبذل الجهود الكبيرة من أجل «استثمار» حالة التفاؤل الواسعة التي انعكست نتيجة لتكليفه تشكيل ورئاسة الحكومة، والرئيس سلام ليس من الطارئين الكثر على العمل السياسي والوزاري والنيابي، فهو ابن الرئيس صائب سلام ونشأ في «دار المصيطبة»، حيث كانت لعقود طويلة تشكل «المطبخ» السياسي الذي تخرج منه الصيغ الحكومية، والحلول للمشاكل والعُقد السياسية.
والمشهد السياسي الذي يعيشه البلد اليوم بكل عُقده وعراقيله هو تكرار للمشهد المتكرر في عقود غابرة حيث كانت «دار المصيطبة» الملاذ والمقصد لحلحلة العُقد، فالرئيس صائب سلام هو صاحب شعار «لا غالب ولا مغلوب»«، وهذا الشعار شكل الخطوط المتوازية لجميع المشاكل السياسية والطائفية والمذهبية منذ عام 1958 إثر أحداث كادت أن تطيح بمقومات البلد وتركيبته السياسية والطائفية، وهذا الشعار شكل الحل لجميع الصراعات والمنافسات السياسية والطائفية.
وعندما كانت توضع العُقد وتبرز الخلافات السياسية والطائفية لدى تشكيل أي حكومة في زمن السلم والاستقرار كان الحل بنهج «لا غالب ولا مغلوب»، وعندما كان البعض يضع هذا «الحل» خلفه ويتجاهله كانت الحكومات تفشل وعملها يؤسس لخلافات أكبر وأوسع.
حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي تشكلت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقع الخلاف بين مكوناتها على خلفية العمل على تشكيل محكمة دولية، وعندما اعتكف الوزراء الشيعة واستمرت الحكومة تعمل رغم هذا الاعتكاف وصفت بأنها حكومة «بتراء»، وأيضاً حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الأخيرة التي تشكلت من فريق سياسي واحد وصفت بأنها حكومة «حزب الله»، وحكومة الفريق الواحد العرجاء، ولم تستطع أي من الحكومتين المشار إليهما أن تنجح في عملها، والسبب أنها بنت عملها على قاعدة «غالب ومغلوب» خلافاً لشعار الرئيس الراحل صائب سلام.
الرئيس تمام سلام ابن هذه المدرسة السياسية الوسطية عندما كلف بتشكيل الحكومة عمّت موجة واسعة من التفاؤل في الشارع اللبناني بعد ساعات قليلة على تكليفه، وذلك نظراً للنهج الوسطي الذي يعمل من خلاله، وهذه الوسطية دفعت بالجميع للإسراع بمنحه الثقة، ويذكر في هذا الإطار ان حزب الله وافق بعد ضغوط كبيرة مورست عليه من الرئيس نبيه برّي، ويذكر أيضاً بأن الحزب نفسه مارس بعد ذلك ضغوطاً على حليفه ميشال عون الذي منح ثقته لتمام سلام بعد تردد واضح لم يستطع عون ان يخفيه، وبعد ذلك برر مصدر في التيار الوطني هذا التردد «بأن سلام رشح من كتلة نيابية معروفة ومن قوى 14 آذار، هذا إضافة الى انه لم تبادر أي جهة على استشارتنا قبل إعلان ترشيحه».
منذ ما يقارب الشهر على التكليف والرئيس سلام يبذل كل جهده لتوظيف حالة التفاؤل التي عكسها تكليفه برئاسة وتشكيل الحكومة باتجاه تشكيل حكومة تكون قريبة جداً منه، أي من نهجه الوسطي، ولذلك حاول في البداية الاقتراب من تشكيل حكومة «كحكومات ايام زمان» يختار هو اعضاءها من القيادات في العمل المدني والسياسي تطبع الحكومة بطابع الاستقلالية والحيادية في زمن السيادة فيه للخلافات والتجاذبات التي عطلت وكادت تلغي المؤسسات الدستورية ودورها، فالرئيس سلام الذي شارك في حكومة الرئيس سعد الحريري لمس عن قرب كيف اطاحت الخلافات الحزبية والسياسية الضيقة بحكومة الوحدة الوطنية بعدما عطلتها وجعلتها حكومة غير منتجة، واين اصبحت قضية شهود الزور!!
وراقب ايضاً حكومة الطرف الواحد التي شكلها نجيب ميقاتي التي اقترب انتاجها من «الصفر» والرئيس سلام اصطدم برفض فريق 8 آذار لمحاولة الرئيس سلام تشكيل حكومة لها الطابع المستقل عن الاحزاب، فلجأ الى التمسك ببقية شروطه لأعضاء حكومته وهولا يراها شروطاً بل مقومات نجاح الحكومة وهي:
– عدم توزير قيادات حزبية، مع توزير كفاءات مقربة من الاحزاب.
– المداورة في الوزارات، وذلك كي لا تصبح الوزارة مزرعة للوزير وحزبه او تياره السياسي.
– عدم توزير شخصيات «مستفزة» وذلك لتأمين الاستقرار الداخلي لحكومته.
– عدم توزير المرشحين للانتخابات النيابية، قياساً على شخصه فهو اعلن انه غير مرشح للانتخابات، وبما ان الحكومة ستشرف على الانتخابات، عليها ان تنتج انتخابات سليمة وتشرف عليها بشفافية.
يسعى كل من الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط مساعدة الرئيس المكلف للخروج من مأزق تشكيل الحكومة، وذلك عبر طرح افكار وحلول تزيل العقبات التي يطرحها ميشال عون.
رأى مصدر سياسي ان الشروط التي يتمسك بها ميشال عون، هي شروط مشتركة مع حزب الله، فالحزب ما زال يشترط ان يمثل بوزير حزبي بارز، فحزب الله لا تعنيه عدد الوزارات كما لا تعنيه نوعية الوزارة الموكلة اليه، فهو يرضى فقط بأن يكون ممثلاً بالحكومة تمثيلاً واضحاً لا لبس فيه، وذلك لمواجهة الضغوط الدولية بأنه حزب لبناني رسمي مشارك في السلطة.
ويضيف المصدر ان حزب الله هو الجهة الوحيدة القادرة على تذليل العقبات التي يضعها عون امام تظهير الحكومة، وان الحزب بدوره (وحلفائه) لم يمارس لغاية الآن الضغوط اللازمة على عون ليتوقف عن وضع العراقيل امام تشكيل الحكومة، وان الحزب لم يبذل الجهود والمطلوب في هذا الاطار بانتظار «الاشارة» الايرانية، حيث ليس من السهولة على ايران ان تسرع لتسهيل مهمة رئيس حكومة مقرب من المملكة العربية السعودية.
ما سبق يشير الى ان مخاض الحكومة عسير، وان جلاء صورة هذا المخاض تتطلب وضوح رؤية مسار الحدث السوري، ونتائج مشاركة حزب الله في هذا الحدث، كما ان ايران تنتظر ما يمكن ان تقدمه المملكة العربية السعودية من ثمن سياسي في اماكن عديدة اخرى محل اشتباك بين الدولتين.