كتب فادي عيد في صحيفة “الجمهورية”:
إستحوذت زيارة الموفد الرئاسي نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف إلى لبنان على اهتمام بارز في هذه المرحلة بالذات كونها أتت في توقيت مفصليّ داخلي وسوري وإقليمي في آن، خصوصاً بعد انفلات الحدود اللبنانية مع سوريا.
كذلك، استرعى الانتباه الكمّ الهائل من اللقاءات التي أجراها ويجريها بوغدانوف مع كبار المسؤولين اللبنانيين، إضافة إلى أحزاب وتيارات وتجمّعات سياسية.
وفي هذا السياق كشفت معلومات سياسية أنّ العنوان الأبرز للقاءات الديبلوماسي الروسي هو الاستماع إلى اللبنانيين بكافّة توجّهاتهم وانتماءاتهم، كون الزيارة إستطلاعية فقط، إذ إنّه لا يحمل أيّ مبادرة أو أفكار للحلّ، بحيث تتمحور العناوين التي يطرحها حول الأزمة السورية بكلّ تشعّباتها ومفاصلها، وهي الطبق الأساس الذي يُطرح ويُناقش في جولاته على المسؤولين والمرجعيّات السياسية والحزبية.
لكنّ اللافت في هذه اللقاءات والجولات يتمثّل باللقاءين المتتاليين مع رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط في كليمنصو والمختارة، (عشاء في كليمنصو تميّز بمشاركة شخصيات لعبت أدواراً بارزة أيّام “الحركة الوطنية” في ذروة التحالف آنذاك مع الاتّحاد السوفياتي) الأمر الذي يؤكّد على متانة العلاقة التي تربط جنبلاط بموسكو التي زارها رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي قبل بضعة أشهر، حيث التقى وزير الخارجية سيرغي لافروف وبوغدانوف الذي تربطه صداقة متينة بالزعيم الدرزي.
ويبدو ان التباين بين جنبلاط وموسكو حول الأزمة السورية لم يؤثّر على علاقتهما، إذ لم ينقطع السفراء الروس المتعاقبون عن زيارة ضريح الشهيد كمال جنبلاط في ذكرى اغتياله سنوياً، وهو الحائز على وسام لينين للشعوب.
من هذا المنطلق، تميّز لقاء بوغدانوف مع جنبلاط عن سائر اللقاءات، وعُلم أنّه تناول بشكل مفصّل الأزمة السورية من جوانبها كافّة، كما استعادا سويّاً لقاءات جنبلاط في موسكو، إذ شرح رئيس جبهة النضال لصديقه الديبلوماسي الروسي موقفه ممّا يجري في سوريا، وما يحصل عبر معطيات يملكها، إضافة إلى مسألة النازحين السوريين إلى لبنان. كذلك جرى التطرّق إلى الموضوع اللبناني الداخلي، حيث يطغى الشأن السوري على ما عداه من ملفّات. وجرى استعراض للمحطات التاريخية التي جمعت دارة المختارة بموسكو، وبالتالي، وعلى طريقته أراد جنبلاط تكريم بوغدانوف من خلال الشخصيات التي جمعها على مائدته، ولا سيّما رفاقه في “الحركة الوطنية” التي كانت تحظى بدعم سوفياتيّ في تلك المرحلة، وبالتالي التأكيد على الصداقة التاريخية القائمة منذ السبعينات.
وأكّدت معلومات من مصادر ديبلوماسية روسيّة أنّ بوغدانوف تمنّى في لقاءاته والمسؤولين اللبنانيين أن تُحلّ المسألة السوريّة سلميّاً وضمن حوار بين النظام والمعارضة والمكوّنات السوريّة كافّة، وإنّ بلاده تتابع هذا الموضوع في مجلس الأمن والأمم المتحدة ومع الولايات المتحدة الأميركية، وإن كان لم يخفِ وجود تباينات كبيرة في المواقف. كما أنّه كان سعيداً لما بلغته العلاقة اللبنانية ـ الروسية من تقدّم في كافّة المجالات، وذلك ما أرسته زيارة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ووزير الدفاع آنذاك الياس المرّ، حيث إنّه ولأوّل مرّة قامت موسكو بمنح مساعدات عسكرية نوعية للجيش اللبناني. كذلك، ووفق المؤشّرات والأرقام، هناك ارتفاع في الميزان التجاري بين البلدين، إضافة إلى التعاون التربوي والثقافي. وأضافت المصادر الديبلوماسية نفسها، أنّ بوغدانوف أراد لقاء كافة القوى السياسية على مختلف تلاوينها للتأكيد أنّ موسكو على مسافة واحدة من كلّ الأفرقاء في لبنان.