#adsense

ثورة الشيخ صبحي الطفيلي

حجم الخط

أعلنت “جبهة النصرة” إنها ستحرق بيروت إذا لم ينسحب مقاتلو حزب الله من بلدهم، وَيكَفوَّا عن مشاركة إيران في قتل الشعب السوري دفاعاً عن النظام. وارتفعت أصوات في لبنان تعلن الواجب الجهادي لنصرة أهل السُّنة في القصير وسائر أطراف سوريا. حزب الله انخرط في هذه المذابح الدموية “بواجب جهادي” من لَدُن ولاية الفقيه. ولا يبدو أنه سيتراجع تحت ذرائع الدفاع عن المقامات الشيعية المقدسة، أو عن اللبنانيين الموجودين داخل الأراضي السورية. وفي هذا الإطار تُقصف الأراضي السورية من المواقع اللبنانية ويرد عليها الجيش الحر بقصف مماثل: الهرمل وسواها. كل ذلك يعني تعميق محاولة توريط لبنان في حرب ليست حربه. وفي قضية ليست قضيته، وفي معارك طاحنة قامت بين النظام وبين الثورة السورية. فالشعب السوري يريد تغيير هذا الطاقم “العائلي” المتحالف مع الطاقم الإيراني الحاكم تحت ظل ولاية الفقيه، الذي بات يعتبر ان لبنان والبحرين والعراق ودمشق من ولاياته الفارسية. وفي هذا الوقت، ومع اشتداد الاشتباكات يتساقط مقاتلو حزب الله وترتفع أعداد القتلى والجرحى، 138 قتيلاً حتى الآن كما صرح الشيخ صبحي الطفيلي، لا دفاعاً عن مقام السيدة زينب ولا اللبنانيين، وانما عن نظام البعث. (لماذا لا يرسل حزب الله مقاتليه أيضاً إلى القاهرة للدفاع عن مقام الإمام الحسين؟ ما دامت المسألة دفاعاً عن المقدسات. وهل سيبحث الحزب الإلهي عن كل مقام شيعي في العالم ويرسل أبطاله إلى هناك لحمايته)؟

ونظن أن قرار الحزب اتخذ، لأنه قرار إيراني أولاً وأخيراً. ولماذا يعتبرون أن العرب السنة وغير السنة أقل غيرة على المقامات الشيعية من بني فارس؟ والشيخ الطفيلي أكد ان مشاركة الحزب قرار إيراني محض.

اعلام الحزب (تعرفونه جيداً! إكسير الصَّدق والشفافية) يبث دعاوى الفتنة، باطراد، بخبث هنا وبعلانية هناك… وبين البث والبث تُهرق دماء الشباب الشيعة. يذهبون شباباً مؤمناً، نضراً، ويعودون في نعوش! شيء مخيف. السؤال الكبير: كيف يسترخص هذا الحزب دماء شبابه، في محاربته المظلومين ونصرة للظالمين من خلال نشر حملة تخويف من “النصرة”؟ وترويج مقولة “دفاعاً عن النفس” مزعوم! ونظن انها سياسة الحزب في تعميم الفتنة في “صراطه المستقيم” والدليل (في ظنه) ارتفاع أصوات في الجهة الأخرى من لبنان بإعلان واجب جهادي.. أيضاً يورط البلد في مخططات الحزب. وإذا كنّا، (مع كثيرين سوانا) رفضنا دعاوى الحزب وتدخله السافر في الأحداث السورية تحت عناوين مذهبية، فإننا، ومن الموقع ذاته نمج كل اتجاه يلتقي جنون الحروب، ومن أي تنظيم أو مذهب أو مجموعة، لنقل المعارك إلى لبنان وتكرار الحروب المذهبية التي لا تخدم سوى اسرائيل ووراءها النظام السوري، وحتى الغرب، الذي كما يبدو، يتفرج على دمار سوريا… ولا يأبه كثيراً بانتشار الحرائق إلى بلادنا! والسؤال: اترى يتقاطع الحزب مع النيات والمخططات الاسرائيلية والغربية والشرقية (روسيا) وإيران، لاستنزاف الشعبين السوري واللبناني وتالياً العربي في فتن مذهبية تقسيمية، تقضي على ما تبقى من مقوماته، واقتصاده ووحدته ومستقبله؟ هذه الأسئلة لم تعد مقتصرة على جهات دون أخرى، فقد سبق أن ارتفعت أصوات من داخل بيئة الحزب الالهي “المصون” و”المقدس” تحذر من هذا الجنوح العبثي الذي لا يقيم وزناً لا لمصلحة الشعب ولا الدولة ولا حتى ناسه. السيد محمد حسن الأمين، أحد كبار المتنورين والمثقفين رفع صوته عالياً. لا تتورطن في هذا العبث الدموي. لأنه سيعود وبالاً على الشيعة وعلى كل اللبنانيين. ومثله الوزير السابق محمد بيضون والسيد علي الأمين، والعلامة هاني فحص… وكذلك الأمين العام السابق لحزب الله الشيخ صبحي الطفيلي الذي وسواه من المستنيرين والمتعقلين، والمتمسكين بسياسة الحياد المذهبي عما يجري في سوريا، يرفعون الصوت ليردوا المؤامرة التي انخرط فيها الحزب، والتي لا يستفيد منها سوى العدو الاسرائيلي! وقالها قبل أيام في حوار “انتريو” مع بولا يعقوبيان داعياً إلى التبصر وإلى الاقلاع عن البدع “الجهادية” والتضحية باللبنانيين دفاعاً عن نظام البعث. ولا يمكن إلاّ أن نشير في المقابل، إلى دعوات أطراف لبنانية أخرى، إلى رفض المؤامرة المتمثلة بزج لبنان في دعاوى جهادية من هنا وهناك، والتي يمكن أن تنتقل حرائقها إلى الجميع. وتصريح الرئيس سعد الحريري الأخير واضح يصب في هذا الاتجاه. لأنها لعبة الموت أولاً وأخيراً. لعبة القتل “الشرعي” لعبة الدمار الشامل تحت “خرافات” شرعية من هنا وهناك وهي ليست أكثر من لغة “مُبينة” للفتن ومؤامرات متسلسلة عرفنا مثيلاتها على امتداد نصف قرن في زمن الطغاة العرب… الذي كان الزمن الاسرائيلي بامتياز!

واجب جهادي “سني” مقابل واجب جهادي “شيعي” وربما غداً تتناثر هذه الواجبات الجهادية لتمتد إلى طوائف أخرى (وهل يمكن فصل المشروع الارثوذكسي عن هذه المناخات). وكلما تكاثرت هذه “الواجبات” البدع، تكاثرت رغائب الغرائز والعنف والجنون لتعيدنا إلى الحروب السابقة والموت السابق التي عرفناها وخبرناها هنا وهناك!

ونظن أن مثل هذه “التخرُّصات” “المُبيتة” والمعلنة ليست سوى محاولات لطمس معاني الثورات العربية من تونس إلى مصر، فاليمن، وليبيا، وصولاً إلى سوريا، لتشويه أهدافها النبيلة، وتصويرها مجرد صراعات مذهبية وعشائرية، أو تركيز الأنظار على بعض الظواهر “الدينية” الحزبية (الأخوان السلفيين، الأصوليين) لضرب كل الاتجاهات المدنية والديموقراطية الأخرى. انها بكل بساطة محاولة قرصنة الثورات في انطلاقاتها وشروعها وآمالها الشبابية وانتفاضاتها على الطغيان والعمالة والظلم والاستبداد. بل وكأن ما يجري اليوم في سوريا هو تهميش مماثل لتصوير الثورة وكأنها ليست أكثر من مؤامرة إرهابية، مذهبية، وكأن “الائتلاف” بعناصره المتنوعة هو مجرد حفنة من الطائفيين أو المتطرفين. هذا سعي اسرائيل والنظام.. وصولاً إلى إيران وحزبها “المفضل” و”المختار” في لبنان. ونظن أن امتثال الحزب للإرادة الايرانية تحت يافطة شيعية، لمحاربة الثوار، تعبير بليغ عن هذه المناخات. هذا ما نطق به السيد محمد حسن الأمين والشيخ صبحي الطفيلي.. وغيرهما. بمعنى آخر، تحويل كل العالم العربي إلى مستنقع مذهبي وعنصري قد يسهم في تفكيكه خدمة لاسرائيل وللأنظمة المذهبية وايران. لكن المسألة، ان من يتمرغ بالوحل لا يخرج منه نظيفاً. وحزب الله في محاولته تشويه أهداف الثورة السورية، برفعه لافتة مذهبية مقابل لافتات سنية، سيصيبه ما سيصيب الجميع وسيخرج (إذا خرج) مضرجاً بالدماء، وبالخسائر وبفقدان كل هوية أخرى، لبنانية أو عربية، أو حتى اسلامية: مجرد حزب يخدم نظامين مذهبيين. وحلُ في وحل. هذا يعني، بنتائجه تبديد كل مكتسابته “الوطنية” وكل انجازات المقاومة. كأن تقول ان بعضهم كانوا على حق ذات يوم عندما اعتبروا ان مقاومة اسرائيل نفسها لم تكن أكثر من فعل مذهبي، صادر من ارادة مذهبية من لدن ايران وسوريا! ونظن ان حزب الله يخطئ بحساباته عندما يتصور انه بوضع نفسه في هذه المساحة الكانتونية (اللبنانية ، العربية والإيرانية) من شأنه ان يعزز وجوده في كانتونه، وان يحاصره بالمال والشهادة والقمع… بل نظن أن قتاله تحت اليافطة الشيعية ستفكك كانتونه الشيعي عندما يقف أهلوه على الخسائر في الأرواح والمعنويات التي تكبدوها. ونظن انه لن يسلم الحزب من انتفاضة داخلية، او من ربيع شيعي، يضعف حضوره (المسلح والمالي). وان ما يتناهى الينا من تململ، وتبرم حتى الغضب هنا وهناك، وما يصرح به بعض القادة الشيعة من المعارضين لمغامرات الحزب يوحي ان البيئة الشيعية قبل انخراط الحزب في الأتون السوري شيء، وبعده ستكون شيئاً آخر. ولا نتصور ان هذا الترويع الاعلامي والتضليل الفكري وسياسة التخويف والشعارات التي فقدت بريقها يمكن أن تستمر. اكثر: فاذا اعتبرنا ان الحروب السورية لن تنتهي قريباً (كما يتكهن الكثيرون) وستطول، فيعني ذلك مزيداً من الخسائر والجثث والجرحى والدمار… وربما مزيداً من استدراج المعارك إلى كل لبنان، وعندها بالذات، لن يبقى هناك لا حيطان ولا أسيجة لجمهورية الحزب في الضواحي، ولا من يصفق له ولا من يصدقه. أكثر: اذا كانت الأصوات الأخرى في لبنان، من المعارضة، خجولة حتى الآن… فلا نظن انها ستبقى على مواقفها السلبية اذا ما امتدت النيران إلى مختلف المناطق: وسيكون الحزب وراء قضبان الاتهام فاقداً حتى دوره السياسي. فالاصطبار لا يعني الصمت الذليل في مساحات لبنان والبيئة الحاضنة للحزب (أو حاضنها بكل أنواع التضليل). وللصبر حدود واذا كان الحزب ينتظر مكافأة من لدن ولاية الفقيه على تلبيته العمياء دعم النظام بدماء الشيعة واللبنانيين فان الناس ستجزيه على أعماله. وعلى مغامراته وعلى خضوعه المذل للارادة الخارجية. وعندها لن يكون صريف الاسنان والندم كافية او ذات جدوى للتعويض عن الخراب الذي أحدثه الحزب من خلال ارتهاناته المطلقة. ولنفترض أن الحزب سجّل انتصارات. لكن على من؟ على المسلمين والسوريين والثورة والعرب. واذا كان اعلن “انتصاره” في حرب تموز (نفذت بقرار ايراني سوري) تحت عنوان “النصر الالهي” فماذا سيسمي نصره “النصر المذهبي”، “النصر البعثي”، “النصر الكانتوني”؟ وماذا سيقول للبنانيين وللعرب انه عاد مظفراً لحمايته “مقام السيدة زينب”؟ طيب، وماذا عن الجوامع التي دمرت، وآخرها المئذنة الاثرية التاريخية للجامع الأموي في حلب، اهذه ليست “مقدسات”؟ يعني الفصل بين مقدسات ومقدسات: منها ما يستدعي الدفاع عنها والأخرى مستباحة، وكأنها ليست من شأن المسلمين، وإلى متى ستؤدي هذه “النظرة” المذهبية للاسلام (أو للمسيحية) سوى إلى تعزيز مناحي الفتن، وتفصيل الاسلام على مقاسات إيرانية شيعية، وأخرى سنية، وأخرى ارهابية. وهل يرى الحزب ان تدمير الجوامع والمآذن ليس سوى تدمير امكنة تؤوي ارهابيين، بحيث يدمغ حتى الأمكنة المقدسة هذه بلوثة الارهاب. تطييف الأمكنة عرفناها في لبنان على امتداد اربعة عقود (لعب النظام السوري دوراً كبيراً في ذلك)، فبات عندنا “مناطق” وطنية وشوارع وطنية وازقة وطنية واشجار وطنية، مقابل مناطق انعزالية. أهذا ما يُعيد اكتشافه وتكراره الحزب: فاذا كان ساق شبابه للدفاع عن المقدسات الإسلامية فلماذا لا يدافع أيضاً عنها كلها ما دام “محشواً حشواً” ومنفوخاً نفخاً بالايمان والتقوى و”وحدة المسلمين” ومجافاة الفتن السنية الشيعية؟ كل ذلك دليل على رؤية حصرية تفتيتية تفكيكية لمعاني الدين (الاسلامية وتالياً المسيحية) لاستغلالها قطعة قطعة في لبنان وسوريا واليمن والبحرين! ولهذا يمكننا القول كأن الحزب يرى إلى مآل غير توحيدي في الجوهر الديني، وانما إلى تسليعه كمتاع استهلاكي استخدامي، لخدمة مشاريع سياسية. وهنا نعود إلى الاستراتيجية الدفاعية: أترى سيُحضِّر حزب الله حرباً مماثلة خراباً وتدميراً في المستقبل على لبنان، تحت ذرائع حماية “الكانتونات المقدسة” والسلاح المقدس… واليافطات التافهة “الشعب، الجيش، المقاومة”. ونقول له الشعب ليس معك (حتى في بيئتك) والجيش لكل لبنان (باسم الشعب كله) والمقاومة صارت في خبر كان! مجرد ذكرى جميلة تحولت كابوساً على الثورة السورية وعلى اللبنانيين! وماذا ستبقى لك، اذا ما سقط النظام الذي تدافع عنه باسم الامام علي هذا الكبير الذي تربينا عليه، وباسم “ثورة الحسين” وماذا سيكون واقع البيئة التي تحاصرها… اعداء من كل المحيط العربي الواسع. اعداء بين مكونات الشعب اللبناني الأخرى، أبناء نظرية كانتونية اخرى لا تختلف عن الكانتونات المذهبية لميليشيات السبعينات؟ ونظن أن الشيخ صبحي الطفيلي وهو المجرب والعليم بسرائر الأمور كان على حق عندما “صرخ” بصوت مهيب “اسحبوا شبابنا من سوريا”.. كفوا عن الكذب؛ قولوا الحقيقة، قولوا لاهلنا الشيعة انكم لستم هناك إلا بقرار ايراني، وان الحجج بأنكم تدافعون عن المقدسات هي باتت واهية!

كفوا عن دعم نظام يقتل شعبه بالطيران والصواريخ والسكود والدبابات والكيماوي…
هذا ما قاله الشيخ الطفيلي… تمردوا أيها الشباب الشيعة على قرار ايراني يجعلكم وقوداً لاهدافها! امتنعوا عن الذهاب إلى هناك!
تمردوا على المطامع الإيرانية بدم الشيعة واللبنانيين! ومن خلال ذلك نفهم ثورة الأمين العام السابق لحزب الله الشيخ صبحي الطفيلي!

انها ثورة لنصرة المظلومين والمستضعفين في وجه الطغاة والطامحين الذين يريقون الدم اللبناني والشيعي دفاعاً عن الطواغيت!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل