فيتنام (أو افغانستان) حزب الله

الولايات المتّحدة في فيتنام الستينات والسبعينات، والاتّحاد السوفياتيّ الراحل في أفغانستان الثمانينات، صارا، في اللغة السياسيّة، كنايتين عن مستنقع. فالفائض العسكريّ الامبراطوريّ العابر للحدود الوطنيّة، والعجز عن الخروج الامبراطوريّ من المأزق، وتحوّل التورّط كارثة محقّقة على أصحابه…، هي بعض المعاني التي ينطوي عليها التعبيران.

فقد صارت الحرب السوفياتيّة في أفغانستان أحد الأسباب البارزة وراء انهيار الاتّحاد السوفياتيّ، الشيء الذي لم تحل دونه إصلاحات ميخائيل غورباتشوف بما فيها إعلان الانسحاب من تلك الجمهوريّة الإسلاميّة. أمّا الولايات المتّحدة فنجت من الانهيار لكنّها لم تنج من رضّة عميقة طالت ثقافتها واجتماعها، بحيث قيل إنّ تغلّبها على «عقدة فيتنام» استلزم رئيساً كرونالد ريغان في الثمانينات.

البلدان الإمبراطوريّان قاما بفعلين مضادّين لطبيعة الأشياء: ففي حرب فيتنام وجدت أميركا نفسها وسط غابة آسيويّة ابتلعتها إذ امتدّت بها «الفتنمة» إلى لاوس وكمبوديا المجاورتين. وفي حرب أفغانستان وجد الاتّحاد السوفياتيّ نفسه حيال غابة العالم الإسلاميّ الذي تقاطر «مجاهدوه» من كلّ حدب وصوب لردّ الغازي «الكافر».

لا شكّ في أنّ تشبيه حزب الله بأميركا أو روسيا، وتشبيه حربه في سوريّة بحربيهما في فيتنام وأفغانستان، ينطويان على مبالغة لا تُحتمل. مع هذا يبقى المنطق الذي تحكّم، ويتحكّم، بسلوك الحزب اللبنانيّ شبيهاً بالمنطق الذي قاد خطى واشنطن وموسكو إلى مستنقعيهما.

ففائض القوّة بيّن تكفي لإظهاره أيّة مقارنة بين قوّة الحزب وقوّة لبنان ودولته وجيشه، أو بين تماسك الجسم الحزبيّ وتفتّت الجسم المجتمعيّ اللبنانيّ. وفائض القوّة هذا سبق أن عبّر عن نفسه مراراً: في حروب عدّة اختار الحزب أن يشنّها من دون استشارة الدولة والمجتمع اللبنانيّين، وفي اضطلاعه بمواجهات داخليّة دامية في إقليم التفّاح أواخر الثمانينات ثمّ في بيروت في 1908، وطبعاً في الاستعراض الرمزيّ والدائم للقوّة، والذي بلغ ذروته مع منع سعد الحريري من تشكيل الحكومة التي شكّلها حليف الحزب يومذاك نجيب ميقاتي.

أمّا الانسداد الذي ينتهي إليه من ينقلبون على طبيعة الأشياء فينمّ عنه الوقوف، في وقت واحد، ضدّ أغلبيّة السوريّين وضدّ العالمين العربيّ والسنّي، وضدّ إسرائيل ودول الغرب كلّها، فضلاً عن دول غير غربيّة تتّهم الحزب بالضلوع في إرهاب عاث في بلدانها. وهذا كلّه مضاف إلى الوقوف في مواجهة قطاعات عريضة جدّاً من اللبنانيّين الذين يرفضون بقاء بلدهم ساحة مفتوحة للقتل والقتال.

والانسداد هذا لا يتجلّى في المجالات السياسيّة والأمنيّة – العسكريّة فحسب، إذ هو أيضاً ماليّ واقتصاديّ. ذاك أنّ بلدان الخليج وبعض البلدان الأفريقيّة والأميركيّة اللاتينيّة المستاءة من نشاطات حزب الله هي البلدان التي لم تنفصل الهجرة اللبنانيّة وتحويلاتها الماليّة عنها.

وهذا، في عمومه، حائط يضع الحزبُ نفسَه أمامه ويضعنا معه، من دون أن يكون في وسع إيران المحاصَرة والفقيرة شقّ كوّة فيه. وهو، من ثمّ، مستنقع يصعب الخروج منه إلاّ بالمعاني الأميركيّة والسوفياتيّة للخروج.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل