#adsense

بيار صادق يُهاجر الى السماء

حجم الخط

بيار صادق يُهاجر الى السماء
من عاش زمن لبنان الحلو، زمن الاخوين رحباني وجوقات الزجل اللبناني، ومهرجانات بعلبك والارز وبيت الدين، وصالة البيكاديللي،
ومن عاش زمن رئيف خوري وعمر فاخوري وعبدالله العلايلي وميــشال شيحا، وجــورج نقـاش والندوة اللبنانية، وسعيد عقل (اطال الله بعمره)،
ومن عاش بدايات فيروز ووديع الصافي وصباح، وتعميمهم الاغنية اللبنانية في كل العالم.
ومن عاش زمن الصحافة اللبنانية الحرّة، على يد غسان تويني وكامل مروة ورشدي المعلوف ورياض طه ونسيب المتني وزهير عسيران وعبدالله المشنوق وسليمان ابو زيد.
ومن عاش زمن الامن والامان والاستقرار والبحبوحة ووجود الدولة ومؤسساتها.
من عاش كل هذه الجمالات، وغيرها الكثير، مثلما عاشها بيار صادق، لا يعود يأسف على رحيل من هذه الدنيا، سوى الاسف على ترك العائلة والاهل والاصدقاء الاوفياء.
بيار صادق كان يعشق الوطن الذي كتبه الأخوان رحباني وغنّته فيروز، وكان يعشق الحرية والســيادة والاستقلال والديموقراطية في اقلام عمالقة الصحافة، ولأنه تنشّأ على هذه القيم، كرّس ريشته وعبقريته لنقد كل عيب في وطنه ليبقى غارقاً في الزمن الحلو.
وبيار كان مؤمناً بما كتبه يونس الابن وغنّاه وديع الصافي بأن «لبنان قطعة سما وعالارض تاني ما ألو» ولم يخطر بباله يوماً، ان الجاهلين والطامعين، واعداء الثقافة والعلم والمحبة والحياة، سيحوّلون هذه القطعة من السماء، الى نموذج مصغّر لجهنّم النار والموت والعذاب والدمار، كما هو الواقع اليوم والذي قد يكون الاسوأ غداً.
كافح بيار، ناضل، قاتل، بالكلمة والريشة، وحذا حذوه عشرات الالوف من اللبنانيين الاباة بالدم والروح والاستشهاد، لرد هذه الغزوة الهولاكية، نجحوا احياناً وهزموا احياناً اخرى، لأن الحرب بين الخير والشر، قصّة جولات لا تنتهي الاّ بانتهاء الحياة على الارض، ولكن كيف يمكن لانسان مرهف الاحساس والوطنية والوفاء والصدق مثل بيار صادق ان يخوض حرباً على جبهتين في وقت واحد، جبهة المرض اللعين، وجبهة الملاعين المصممين على تغيير هويّة لبنان ودوره وثوابته، دون ان يكبو به العزم وتضعف المقاومة، فسقط بيار شهيد الصراع ضد تحالف اللعين والملاعين، ولم يجدْ بدّاً من الاستسلام كما استسلم غيره حيث هاجروا الى دول اخرى، ولكن بيار اختار ان يهـاجر الى السماء علّه يقع هــناك على قطعة السمــاء التي اسمها لبنان، ليبدأ حياته من جديد في الوطن الذي احبّ وكرّس عبقريته من اجله.
* * * *
شوق الاهل والاصدقاء لبيار، سيكون كبيراً ودائماً، يتجدد مع كل قراءة جريدة او مشاهدة تلفزيون، وانا الذي عرفته عن كثب، وتصادقنا في بداية التسعينات ايام عمله في «الديار» ولي معه ذكريات وحكايات ستكون جزءاً من كتاب اعدّه، سأتذكره دائماً في ضحكته وعمق تفكيره ووطنيته، وفي عتبه احياناً الذي هو على قدر محبته، واقول «للرفيق» بيار، وهو كان يغبط لهذه التسمية، افسح لي مكاناً بقربك يا بيار، فأنتم السابقون ونحن اللاحقون.

المصدر:
الديار

خبر عاجل