في عهد الإمارة، تناوب الأمراء الدروز والسنة والموارنة على حكم جبل لبنان ، في إطار استقلال ذاتي نسبي كان يتوسع أو يضمر ، بحسب الظروف والصراعات .
ومن أبرز رموز تلك المرحلة ، الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير ، الذي بسط نفوذه إلى العمقين السوري والفلسطيني ، لكن طوحه أثار شكوك السلطنة العثمانية ، لاسيما على خلفية علاقاته الوثيقة بإمارة توسكانا الإيطالية . فكان القرار بالقضاء عليه ، علماً أن فخر الدين قرّب الموارنه واعتمد عليهم في إرساء حكمه .
أما الرمز الثاني الأبرز لعهد الإمارة ، فكان الأمير بشير الشهابي الثاني الكبير ، الذي بنى قصر بيت الدين وأرسى الأمن ، لكن أحمد باشا الجزار أنهكه بخصومته . ومع ذلك لم يخضع لإغراءات نابوليون بونابرت خلال حصار الأخير للجزار في عكا . ومن أبرز الخصوم المحليين للامير بشير ، كان بشير جنبلاط !
لقد رزح لبنان طويلاً تحت وطأة مداخلات الولاة في عهد المماليك ، كما في عهد العثمانيين ، وحتى عهد المتصرفية ، حين أصبح التدخل مباشرة من الإستانة .
مع انهيار الإمارة ، أرست السلطنة نظاماً إدارياً سياسياً عُرف بنظام القائمقاميتين ، واحدة شمالية بأكثرية مسيحية ، وثانية جنوبية بأكثرية درزية ، وذلك باقتراح من الداهية النمساوي مترنيخ ، وموافقة وزير الخارجية العثماني صالح أفندي .
عاش هذا النظام حتى العام 1860 تاريخ اندلاع الفتنة الشهيرة والمذابح بحق المسيحيين ، لينتهي الأمر إلى إقرار نظام المتصرفية .
يومها استحقت السلطنة العثمانية الضعيفة لقب الرجل المريض ، وتكرس نفوذ الدول الأوروبية الكبرى ، حتى جاء اتفاق سايكس- بيكو ن وإعلان لبنان الكبير من قبل الجنرال غورو ، ثم الإستقلال في العام 1943 .
وبعد الاستقلال ، اضطرابات دورية وتدخلات من حلفي وارسو وبغداد ، ومارينز ومتسللون من الجمهورية العربية المتحدة – الإقليم السوري . إلى بروز العامل الفلسطيني والاجتياحات الإسرائيلية والتدخل السوري وقوات الردع العربية ، ثم اليونيفيل والقوات المتعددة الجنسية في العام 1982 وصولاً غلى الحرس الثوري الإيراني … والحبل على الجرار !
كل ذلك للقول : مسكين لبنان ، لا يستقر على وضع ثابت ، فالموقت فيه هو الدائم .
اليوم ، ثمة أزمة تكاد تكون وجودية ، ولو كانت مفتعلة في جانب منها !
صراع حصص ، صراع فيتوات ، صراع أحجام ، صراع خيارات ، صراع جبابرة إقليميين ودوليين . والنتيجة ؟ لا حكومة ، لا قانون انتخاب ، ولا انتخابات . هذه مشيئة صاحب الولاية عبر زعابيطه المحليين .
… وما زال اللبنانيون يقفون في مطلع كل احتفال ، وبكل اعتزاز ، لينشدوا : كلنا للوطن !
حكومة يا سليمان ، حكومة يا تمام ، قانون يا نبيه ، انتخابات يا قبضايات !
أخيراً ، وردني بيان موقع بالأبجدية الفينيقية لأهالي البترون في القرن الخامس قبل الميلاد ، يستهجنون فيه شائعات تفيد بأن معالي باسيل هو الذي بنى السور الفينيقي عند الواجهة البحرية للمدينة ! والسلام .
