كتب أسعد بشارة في صحيفة “الجمهورية”:
لم يأتِ الاتصال الذي أجراه رئيس الائتلاف السوري جورج صبرا برئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع من فراغ.
فالعنوان ليسَ على قاعدة التشارك في أخوة الانتماء الديني العابر للحدود، بل هو من صنع الثورة السورية خلال سنتين من تغييرٍ جذري في العلاقة بين لبنان وسوريا، ومن تمهيد لبناء مستقبل ما بعد الأسد، الذي يحتلّ فيه المسيحيون في لبنان وسوريا موقعاً لن يكون إلّا على قياس مشاركتهم في التغيير التاريخي الذي تشهده المنطقة، وقد كان لجعجع بصمة واضحة وغير مترددة منذ البدايات، في الانتساب إلى الربيع العربي الذي ستعبر من خلاله المنطقة، مخاضاً عسيراً إلى الحرية.
أراد جعجع أن يستكمل ما بدأه في احتفال حلّ حزب “القوات” بعد فترة قصيرة على اندلاع هذه الثورة. هنّأ صبرا بتكليفه رئاسة الائتلاف السوري، وهو تكليف يعكس الصفة الغالبة لهذه الثورة، التي لن تكون إلّا النموذج النقيض للنظام، بمعنى أنها ثورة معظم السوريين في وجه نظام دكتاتوري يظلم الشعب السوري بكل طوائفه. قال جعجع لصبرا إن “هذه الثورة ليست سنيّة ضد الطوائف الأخرى، فالسنّة ليسوا بالمعنى الشامل مضطهدين من النظام أكثر من المسيحيّين والطوائف الأخرى، فمن يشاركون النظام ظلمه هم من كل الطوائف، وبالتالي فهذا النظام يضطهد سوريا كبلد ويضعها في السجن الكبير”.
وحيّا جعجع مشاركة مسيحيّين سوريّين كثر في الثورة، داعياً إياهم إلى “أن يشاركوا مع أخوتهم في المواطنية في الثورة، ليكونوا كبقية السوريين شركاء فاعلين وحقيقيّين في صنع مستقبل سوريا، لأنّ تاريخهم شاهد عليهم، فهم من أهم أصول هذا الشرق، وهم من ساهم بنهضته، وعليهم أن يلعبوا دورهم في صناعة تحوله نحو الحرية، ولا يعتقد أحد أن المسيحيين هم خارج هذا التحول، فكما قادوا مع شركائهم النهضة العربية، سيكونون اليوم في طليعة المنخرطين في التحول التاريخي الجاري في المنطقة”.
لم ينسَ جعجع أن يمرر شيئاً من المزاح على خلفية اتهامه من بعض الأقربين، بأن موافقته على القانون الأرثوذكسي قد أثّرت في مواقفه المبدئية، فقال لصبرا: “لا تفكر أن القانون الأرثوذكسي (رحمه الله) الذي ناور به “حزب الله” وحلفاؤه المسيحيون، يفصلنا عن المسلمين، نحن وإياهم شركاء في كل شيء، حتى في السعي إلى تحقيق الشراكة”.
وعن تدخل “حزب الله” في المعارك داخل سوريا، أبدى جعجع رفضه التام “لهذا التدخل العسكري والأمني”، تماماً كما رفضه المطلق أيّ تدخل آخر بدافع الرد على “حزب الله”. فالسوريون قادرون على القيام بمسؤولياتهم، ونحن ندعم ثورتهم لكن من دون أن يعني ذلك إتاحة الفرصة للنظام ليُصدّر ازمته إلى لبنان ويهزّ استقراره.
رد صبرا بشكر جعجع بإسم الائتلاف السوري والشعب السوري على مواقفه الداعمة للثورة السورية منذ بدايتها، وقال: “دورك المعنوي أساسي في دعم الثورة السورية، خصوصاً أن بعض قادة المسيحيين يستمر بالرهان على نظام الأسد الذي هو رهان مسيء بحق المسيحيين، على كل الصعد التاريخية والدينية والوطنية”. وأضاف: “لو تذَكّر بعض هؤلاء المسيحيين فارس الخوري، لما كانوا راهنوا على هذا النظام الذي يريد استعمال المسيحيين للمضي في استبداده”.
لم يكن هذا الاتصال الأول بين المعارضة السورية و”القوات” ولن يكون الأخير، فالتحضيرات تجري لعقد لقاء بين قوى “14 آذار” والائتلاف السوري على الأرجح في القاهرة. التطورات السورية واشتراك لبنانيين في القتال إلى جانب النظام وضده، ستسرّع في التحضير لهذا اللقاء، خصوصاً بعدما حاولت أطراف لبنانية مؤيدة للنظام الردّ على “حزب الله” بدعوات إلى الجهاد تشكّل في حد ذاتها هدية مجانية للأسد، وهو ما يهدّد ما نجحت بإرسائه قوى “14 آذار” ومنذ انطلاق الثورة: علاقة احترام وصداقة بين لبنان وسوريا ما بعد الأسد.