عندما وجّه العماد ميشال عون فوهات مدافعه باتجاه “الأونيسكو” حاصداً عشرات التلامذة الأبرياء، لم يخجل من تسمية هذا الفِعل بـ “حرب التحرير”، ولكن عندما اخفقت هذه الحرب العبثية، مكبدّة اللبنانيين آلاف القتلى والجرحى والمهاجرين، تنصّل العماد عون من “تحريره”، معتبراً ذلك كلّه، بمثابة “تنفيسة”. اسباب فشله في تلك التنفيسة، أرجعها عون الى “تآمر” البطريرك و”القوات اللبنانية” والشخصيات المسيحية! تمخّض التحرير فولد تنفيسة!!
لو كانت استعراضات العماد عون تنفيسةً بالفعل، لكان وفرّ على اللبنانيين الكثير، ولكن تنفيساته المتواصلة كادت تودي بمقومّات الحضور المادي والسياسي للمسيحيين في لبنان.
يورد الكاتب فايز قزّي في الصفحة 217 من كتابه “من ميشال عفلق الى ميشال عون”، نقلاً عن العقيد عامر شهاب، وهو احد اركان العماد عون حينها، أن الأخير “قرر حرب التحرير بمفرده دون اي شريكٍ او حليف”. كلامٌ جميل في المبدأ، ولكن حبذّا لو تابع شهاب قوله، حتى يكتمل المعنى، فيُضيف: “صحيحٌ ان العماد عون قرر حرب التحرير بمفرده، إلاّ أنه حمّل الجميع، ما عدا نفسه، مسؤولية فشل هذه الحرب”!!
اليوم، يقفز العونيون فوق مشاعر اهالي شهداء الواجب الوطني، ويتعامون عن تضحيات الآف المناضلين والمصابين والمخفيين، ويتنكرّون للكهول والعجائز والشابات والشبان والنساء والأطفال، الذين تقاطروا الى ساحة الحرية في 14 آذار لإخراج الإحتلال من لبنان. بالنسبة لإعلام التيار العوني، لم يكن من داعٍ لذلك كلّه، طالما ان تحرير لبنان، لا يصنعه “شعب لبنان العظيم”، وإنما الولايات المتحدة!!
إذا كان الواقع على هذا المنوال، فما الداعي إذاً لإعلان حرب التنفيسة بـ “سكاكين المطبخ”؟؟
يُقال إن “الهزيمة يتيمة، امّا النصر فله مئة أب”. من وجهة نظر العماد عون، الهزيمة لها مئة أبٍ ايضاً، ولكنهم في الحقيقة، آباء غير شرعيين، لهزيمةٍ غير يتيمة، في حروبٍ غير وطنية، ضمن اجندةٍ غير بريئة.
“العماد عون قرر حرب التحرير بمفرده”، لذلك كان من المفترض به ان يتحمّل تبعاتها السياسية بمفرده ايضاً. ولكن كلما ظهرت تبعاتها الكارثية على التوالي، كلما اُضيفت الى قائمة “آباء الهزيمة” الوهميين، اسماءٌ جديدة، حتى باتت هذه القائمة تضّم في النهاية: رجال دين، من وزن البطريرك صفير، وشخصيات سياسية، من وزن رينيه معوض، وأحزاب مسيحية، من وزن “الكتائب اللبنانية”… ومقاومة لبنانية، من وزن “القوات اللبنانية”.
في الرابع من تشرين الثاني 1989 حلّ ميشال عون مجلس النواب بعدما استهدفت عبوات ناسفة منازل او مكاتب النواب الياس الخازن، وسالم عبد النور واوغست باخوس.
إذا كان “القصاص” الذي حّل بهؤلاء جاء بسبب توقيعهم على إتفاقٍ أنهى حرب التراشق المدفعي، التي أسماها عون “حرب تحرير”، فإن “القصاص” الذي اوقعه الجنرال بـ”القوات اللبنانية” لم ينتظر، لا فشل حرب “التحرير”، ولا توقيع إتفاق الطائف.
في 14 شباط 1989، لم يكن هناك من “إتفاق طائف”، ولا “سفير اميركي يُحرّض القوات على عون”، ولا “بطريرك تنازل عن صلاحيات الرئاسة”، ولا “قوات لبنانية باعت لبنان في الطائف”، بل كان هناك مناطق شرقية مُحررّة شكّلت “مونتي كارلو” لبنان، قبل ان يُحولّها الجنرال، في اقّل من سنة، الى هانوي وستالينغراد.
في 14 شباط 1989، حتى قائد “القوات اللبنانية” بذاتها، لم يكن في لبنان، وإنما يقوم بزيارةٍ الى الخارج.
اتفاق الطائف لم يكن سوى اتفاق “الحدّ من الخسائر”، والنتيجة الحتمية والمباشرة لفشل العماد عون في حرب “التحرير”، وإختلال موازين القوى بسببها.
ليس صحيحاً ان اتفاق الطائف اُبرم بهدف تطويق العماد عون والتخلص منه، كما تُروّج الدعاية العونية، وإنما الهدف كان تطويق ذيول افعاله، والتخلّص من مخلّفات حروبه العبثية.
امين سرّ حزب “البعث” العراقي عبد المجيد الرافعي، كان السبّاق الى الإعلان عن موافقة حزبه على اتفاق الطائف. امّا عراق صدّام حسين، الحليف الأول للعماد عون، وصاحب الإمكانات العسكرية والسياسية والمادية الهائلة حينها، فأعلن بدوره تأييد اتفاق الطائف، وتخليّه الضمني عن عون، متذرّعاً “بعدم توفّر إمكانية مقاومة اتفاق الطائف على الصعيدين الداخلي والخارجي”.
دولةٌ شبه عُظمى كالعراق، نأت بنفسها عن الهستيريا العونية، وعجزت عن نجدة ذاك “الغريق”، لكن العماد عون يُحمّل البطريرك صفير و”القوات اللبنانية” مسؤولية عدم انتشاله من مستنقعه!! عقليةٌ فاشية من الطراز الرفيع!!
مع ذلك كُلّه، لم يتردد العماد عون في السير، بما تبقّى من مسيحيين، نحو جنون الإنتحار… إنها “مسّادا” الكرسي!!
وسط هذا الفشل العوني، المترافق مع هذه اللوحة الدولية والإقليمية والداخلية القاتمة والمتشعّبة، يأتينا بعض صغار المستكتبين ليُحمّلوا الكاردينال صفير و”القوات اللبنانية” المسؤولية عن توقيع “الطائف”!!!
عندما كان التنازل عن بعض الصلاحيات الدستورية “الدفترية”، بمثابة ضربةٍ معنوية كبيرة للمسيحيين في المرحلة الماضية، افتعل العماد عون حروباً من العدم، اسفرت عن تقليص بعض هذه الصلاحيات في الطائف. ولكن عندما تبدّلت الأحوال واصبح اتفاق الطائف ضمانةً كبيرة للمسيحيين في زمننا الحالي، صار الجنرال على عجلةٍ من أمره لكي ينسف هذا الإتفاق!!
بعض صغار المُستكتبين يلعنون الطائف، ليس حرصاً على صلاحيات المسيحيين كما يزعمون، بل حُبّاً بالمزايدة والكسب الدعائي. حُجّتهم في ذلك، أن الطائف “اقام اختلالاً دستورياً وسياسياً بين السلطات”، امّا بديلهم عن الطائف، فهو العودة الى ما قبل “الطائف”، أي الى مرحلة “تهميش” الطائفة الشيعية، بحسب ما يدّعي حليفهم “حزب الله”، في “رسالته الى المستضعفين”. احزاب الطائفة الشيعية تطمح بالمقابل، وبالفعل، الى “ما بعد بعد الطائف” وليس الى ما قبله، أي الى “المثالثة” على اقّل تقدير، و”ولاية الفقيه” على ابعده.
وهكذا، يبقى “الطائف” فضيلةً بين… متطرّفين.
