أجواء التفاؤل التي نقلت البلد، من حال إلى حال، عشية بروز الإجماع، على تكليف الرئيس تمام سلام تأليف الحكومة العتيدة، بدأت تتلاشى، مع تلاشي مناخ الإجماع، والعودة إلى مناورات المحاصصة، وحرتقات الهيمنة والاستئثار، في المفاوضات الدائرة حول التأليف!
خُيّل لكثير من اللبنانيين، في الوهلة الأولى، أن الإجماع الداخلي المفاجئ على شخص تمام سلام، بما يمثل من اعتدال وانفتاح نحو الآخر، وبما يجسّد من رصانة في المواقف، وحصافة في الانتقاد، هو نتيجة تفاهم إقليمي – دولي، لتجنيب لبنان رياح العاصفة السورية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي في بلد رزح طويلاً تحت ضغط الانقسامات المحلية، والتدخلات الأجنبية.
وظهر أكثر من مؤشر على حصول «تفاهم ما» بين الرياض وطهران، على وريث البيت السياسي العريق، ظهرت دلائله في الزيارة السريعة للسفير الإيراني إلى دارة المصيطبة، حاملاً رسالة تهنئة من القيادة الإيرانية، إلى جانب طبعاً الترحيب السعودي الحار، والذي تمثل بنقل السفير السعودي رسائل مباركة ودعم من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير سلمان بن عبد العزيز، وذلك في خطوة غير مسبوقة بتاريخ تشكيل الحكومات في لبنان.
أما على الصعيد، فكان التسابق الأميركي والروسي على الإشادة والترحيب بتكليف سلام، يحمل أكثر من دلالة على «تفاهم دولي ما» بين واشنطن وموسكو، على صيانة الوفاق اللبناني، والعودة الى عهد الحكومات الوفاقية!
والسؤال الذي يشغل اللبنانيين، المقيمين والمنتشرين، على السواء:
أين أصبح هذا «التفاهم ما» الإقليمي – الدولي، الذي أنتج ذلك الإجماع المفاجئ؟
وهل يُعقل أن تتغلب الحسابات الداخلية الضيّقة على التفاهمات الخارجية الكبرى؟
* * *
الواقع أن حجم العقبات والعرقلات التي وُضعت في طريق الرئيس المكلف، بدأ يطرح علامات استفهام جدية حول حجم «التفاهمات الخارجية» ومدى التزام الاطراف المعنية بها.
بل ثمة تساؤلات سياسية مشروعة، حول التطورات الصاعقة التي أوقفت قطار التفاهم في منتصف الطريق، وحالت دون بلوغه محطة تظهير الحكومة الوفاقية، رغم تسليم الجهات الخارجية، بحاجة لبنان الملحة إلى وجود حكومة منسجمة ومتماسكة، وقادرة على مواجهة الاستحقاقات الداهمة.
العالمون ببواطن الأمور اعتبروا أن أجواء التفاؤل اللبنانية، كان مبالغاً فيها، وأن لحظة الإجماع حول تمام سلام لم تكن نتيجة تفاهم سعودي – إيراني بقدر ما كانت نقطة تقاطع مصالح بين الطرفين، رغم اختلاف حسابات كل منهما، وهي بالتأكيد لم تكن نتيجة تفاهم مسبق بين كيري ولافروف، ولكنهما اندفعا لمباركتها من موقع الحرص على الاستقرار اللبناني، وفي إطار العمل على إبعاده عن اللهيب السوري!
ويرى العالمون ببواطن الأمور، أن الكتلة الوسطية بالغت أيضاً في تقدير ارباحها بعد تكليف سلام، لدرجة أن بعض أطرافها حاول صياغة هيكلة الحكومة، وتسمية الوزراء وتوزيع الحقائب، قبل الوقوف على «خاطر» قوى 8 آذار، والاستماع إلى وجهة نظرهم بهذه المسألة، وهم الخارجون تواً من حكومة كانت لهم بالكامل، على حدّ قول العالمين ببواطن الأمور، الذين يسجلون ثلاثة أحداث مهمة، حصلت بالتتابع خلال أقل من اسبوع:
{{ الحدث الأوّل: استقبال الرئيس السوري بشار الأسد لثلاث وخمسين شخصية من قيادات 8 آذار، والكلام المطوّل الذي أدلى به أمامهم، والذي حمل أكثر من رسالة للبنان، والأطراف المعنية الأخرى بالأزمة السورية.
{{ الحدث الثاني: الإعلان عن زيارة السيّد حسن نصر الله إلى طهران ونشر صورته مع المرشد الروحي للثورة الإمام خامنئي، في الوقت الذي تصاعدت فيه الانتقادات لمشاركة «حزب الله» في القتال بسوريا، لبنانياً وعربياً ودولياً.
{{ الحدث الثالث: تقدّم قوات النظام في سوريا وحلفائها في بعض المواقع وخاصة منطقة القصير، وريف حمص وحماه، وبعض المواقع في ريف دمشق وذلك بعد أيام قليلة من كلام الأسد للوفد اللبناني بأن الميدان هو الذي يقرر الحل في سوريا.
* * *
والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان: وما هي علاقة هذه الأحداث بتأليف الحكومة اللبنانية؟
مرّة أخرى، يقول العالمون ببواطن الأمور، أن تساهل حزب الله وأطراف 8 آذار في تشكيل الحكومة العتيدة، من دون أن يكون لهم الثلث المعطل، واليد الطولى في التأليف، يعني تسليم «محور الممانعة» بهزيمته في لبنان، أو على الأقل يُشكّل اعترافاً بحصول تراجع في مواقع هذا المحور في لعبة السلطة، والتوازنات الداخلية، الأمر الذي يوحي لبعض الأطراف الخارجية بحلول ساعة الانقضاض على الجانب اللبناني من «محور الممانعة»، فضلاً عن المكاسب التي سيجنيها فريق 14 آذار، من هذا التطور، عشية الانتخابات النيابية.
على ضوء هذه الحسابات، بالإضافة إلى عوامل أخرى، طارت «لحظة تقاطع المصالح»، وتبخرت مناخات التفاؤل بالتفاهم الإقليمي – الدولي، وعاد الوضع اللبناني، ومعه مساعي تشكيل الحكومة إلى المربع الأول، وحسب شروط 8 آذار:
حكومة مع الثلث المعطل، لا تدوير لكل الحقائب، الاحتفاظ بوزارتي الطاقة والاتصالات (والثانية أهم أمنياً لحزب الله من إغراءات الأولى!)، ولا التزام بتسمية وزراء غير مرشحين!
إلى أين تقود مثل هذه الشروط؟
إلى واحد من احتمالين: إما إعلان حكومة أمر واقع بعد تأمين أكثرية نيابية لمنحها الثقة، أو تمديد فترة تصريف الأعمال للحكومة المستقيلة إلى أجل غير مسمى!
طبعاً ثمة احتمال ثالث… ولكن لا يحق لغير الرئيس المُكلّف أن يتكلم عنه!!