
خرق الجمود في المشهد الإنتخابي الرفض الجنبلاطي لطرح رئيس مجلس النواب نبيه بري والذي تبلّغه الأخير من “جبهة النضال الوطني”، معتبرةً أنّ “هذا الطرح ليس الاقتراح المثالي لأنّه لا يكفل التمثيل الصحيح”.
وعلمت “الجمهورية” أنّ “رئيس مجلس النواب حمّل الوفد الاشتراكي أفكاراً جديدة حول قانون الإنتخاب العتيد لنقلها الى جنبلاط والعودة اليه مجدّداً بردٍّ عليها”.
وقال قريبون من بري إنّه “سيلتقي اليوم أفرقاء جدُداً ربّما يكون من بينهم وفد من تيار”المستقبل”، وذلك في إطار سعيه الدؤوب الى تحقيق توافق على قانون الإنتخاب قبل موعد جلسة مجلس النواب في 15 أيّار المقبل”.
في المقابل، أوضحت مصادر “الإشتراكي” لـ”الجمهورية” أنّ “برّي لم يكن ينتظر جواباً بنعم أم لا، كما ذكرت معلومات صحافية”، مؤكدة أنّ “الوفد كان واضحاً وصريحا مع رئيس المجلس لأنّه يعرف الخلفيات التي بُني عليها الموقف، فقد كنّا واضحين وأبلغناه أنّ اعتماد مبدأ “الصوت الواحد للمرشّح الواحد” في الدوائر المقرّرة وفق النظام الأكثري أمر سيّئ للغاية وقد يشوّه العملية الإنتخابية في الدوائر الصغيرة”. وأعطت مثالاً على ذلك بالقول: “تصوّر عشرات الآلاف من الأصوات للنائب وليد جنبلاط في الشوف أو لمروان حمادة، فما الذي يبقى لغيرهما؟”.
وفي هذا السياق، قال برّي لـ”الجمهورية”:”عندما اقترحتُ المشروع المختلط كانت الفكرة أن يقبل به الجميع كلّه كسلّة واحدة، لكنّ ما حصل هو أنّ الأفرقاء كانت قلوبهم معه وسيوفهم عليه، فراح كلّ طرف يأخذ منه أو يضيف عليه أو يسحب منه ما يناسبه حتى أفقده جوهره وروحيته”، مشيرا إلى أنّ “البعض في فريق “14 آذار” يريد انتخابات بقانون يمكّنه من الفوز بالأكثرية النيابية، وكذلك البعض في فريق “8 آذار” يعمل في الاتّجاه نفسه طامحاً بالأكثرية النيابية”.
وكرّر برّي تشديده على وجوب تأليف حكومة قبل جلسة مجلس النوّاب في 15 أيّار وبمعزل عمّا إذا كنّا توصّلنا إلى قانون انتخاب أم لا، علماً أنّ الاتفاق على أيّ قانون انتخابي وإقراره من شأنه أن يسهّل تأليف الحكومة ويجعل من البحث في الحصص والحقائب شأناً ثانويّاً، على اعتبار أنّ الحكومة ستصبح حكومة انتخابات بالدرجة الأولى وسيكون عمرها قصيراً.
وفي تصريح لـ”السفير”، أشار الرئيس نبيه بري الى انه “عندما اقترح المشروع المختلط على اساس توزيع المقاعد مناصفة بين النظامين والنسبي والاكثري، كانت الفكرة ان هذا المشروع هو كل لا يتجزأ، وسلة واحدة تؤخذ كلها او ترفض كلها، لكن ما حصل لاحقا ان بعض الأفرقاء أصبحت قلوبهم معه وسيوفهم عليه، فإذا بهم يضيفون اليه او يسحبون منه ما يناسبهم، حتى أفقدوه جوهره الأصلي”، مضيفا: “لقد أرادوا إعادة تفصيل المشروع على قياساتهم، بينما هو مفصل في طبعته الاصلية على قياس الوطن”.
واعتبر بري ان “فريق “14 آذار” يريد فعلا إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، إنما وفق قانون يحقق له الاكثرية، والبعض في “8 آذار” يفكر أيضا بالطريقة ذاتها، أما أنا فأسعى الى بلوغ قانون يتسم بالغموض البناء، وبالتالي يوحي لكل من الطرفين بأنه قادر على انتزاع الاكثرية النيابية”.
وأكد بري ان “مسار تشكيل الحكومة قائم بذاته ولا يجب ربطه بمسار قانون الانتخاب”، مشيرا الى ان “هناك إمكانية لتأليف الحكومة قبل الجلسة العامة الفاصلة التي سيدعو اليها في 15 أيار المقبل إذا تعذر حتى ذلك الحين التفاهم على مشروع توافقي”.
وتابع مستدركا: “إذا كان الربط غير حتمي وغير إلزامي، إلا ان ذلك لا يمنع ان الاسراع في إقرار قانون توافقي للانتخاب من شأنه ان ينعكس تلقائيا، بشكل إيجابي، على عملية التأليف، لان معظم الأطراف ستصبح في هذه الحال متساهلة في التعامل مع مسألة الاحجام والحقائب، على قاعدة ان الحكومة المقبلة ستكون انتقالية، وان حكومة ما بعد الانتخابات ستكون هي موضع الاهتمام”.
ولا يخفي بري ارتياحه الى السلوك الروسي الإجمالي في المنطقة، ملاحظا ان روسيا تكاد تكون حاليا أهم من الاتحاد السوفياتي في عز أيامه، لافتا الى ان “موسكو باتت بمثابة بيضة القبان في الساحة الدولية، وهي تصنع التوازن في مواجهة النزعة الاميركية الى الاحادية والهيمنة”، واضعا زيارة بوغدانوف الى لبنان في هذا السياق.
وإذ يشدد بري على أهمية الموقف الروسي الاستراتيجي من الأزمة السورية، يستبعد ان تتمكن واشنطن في سوريا من إعادة استنساخ تجربة التدخل العسكري في العراق، لافتا الى ان “موسكو لن تأخذ كيفما اتفق بالادعاءات الاميركية حول استخدام النظام للسلاح الكيميائي، ولن تقبل بأقل من أدلة ثابتة وقاطعة، خصوصا ان هناك احتمالا بان تكون بعض الدول تزود المعارضة السورية بهذا النوع من الاسلحة لاستخدامه ومن ثم اتهام النظام باستعماله”.
ويروي بري كيف ان الروس كانوا من أوائل الذين تحمسوا لإجراء مسوحات من أجل استطلاع إمكان وجود غاز ونفط في لبنان، لكن عرضهم لم يؤخذ بالجدية المطلوبة.
ومن هذه الواقعة، يطل بري على كيفية التعاطي الرسمي مع ملف النفط والحدود البحرية، مستغربا إهمال السلطات المعنية في الدولة حقوق لبنان وعدم خوض المعارك السياسية والدبلوماسية اللازمة لحمايتها، لا سيما في ما يتعلق بمساحة الـ 865 كلم مربعا المتنازع عليها في البحر مع العدو الاسرائيلي الذي يحاول وضع اليد عليها وضمها الى منطقته الاقتصادية، في حين انها جزء عضوي من المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية.
ويتساءل بري: ألا يستحق هذا الامر ان نجعل منه قضية حية، وان نستخدم كل علاقاتنا وطاقاتنا من أجل إبرازه في المحافل الدولية؟
ويلاحظ بري ان رئاسة الجمهورية التي تملك صلاحية التفاوض والتوقيع على المعاهدات الدولية، ورئاسة الحكومة التي تمثل السلطة التنفيذية، لا تحركان ملف الحدود البحرية كما يجب ولا تبذلان الجهد المطلوب لمعالجته، الامر الذي دفعني الى ملء الفراغ وتأدية دور هو ليس من صلب صلاحياتي كرئيس لمجلس النواب، محملا الرئيس فؤاد السنيورة مسؤولية ارتكاب خطأ جسيم في الترسيم البحري، لا نزال ندفع ثمنه حتى الآن.
ويتوقف بري عند ما صدر مؤخرا عن أحد خبراء شركة «سبكتروم» العالمية حول وجود مخزون غازي في المياه اللبنانية يفوق ما لدى كيان الاحتلال، مشيرا الى ان الاميركيين أكدوا ايضا ان المخزون المتوافر في لبنان هو من بين الافضل في العالم.
ويضيف: لهذا السبب أؤكد انه لو لم تكن المقاومة موجودة، لكان من الواجب ان نوجدها الآن لحماية ثروتنا النفطية، حتى لا يصيبها ما أصاب مياهنا في السابق، حين كانت اسرائيل تستبيحها وتمنعنا من الاستفادة منها، مستقوية بضعفنا.