.jpg)
افتتحت كلية الحقوق في جامعة الروح القدس – الكسليك مؤتمرا دوليا بعنوان: “أي مستقبل لحقنا في التقاعد في لبنان؟”، برعاية وزير العمل سليم جريصاتي وحضوره.
افتتح المؤتمر بالنشيد الوطني اللبناني وقدّمته د. غادة كرم. ثم كانت كلمة لعميد الكلية الأب طلال هاشم الذي أفاد “أنّه يتمّ تداول مسألة الحق في التقاعد نظرا لأنظمة التقاعد المتقلّبة الموجودة حاليّا في لبنان وللفجوة بين أنظمة القطاع العام وتلك المتعلّقة بالقطاع الخاص والتي تدفعنا إلى تسليط الضوء على الحاجة الملحة لإجراء إصلاحات في هذا الإطار”. وقال: “إن لبنان هو من البلدان التي لا تملك نظام تقاعد قانوني، فخدمات تعويض نهاية الخدمة تطبق منذ سنة 1965 مع غياب إنشاء برنامج تعويض. ولم يتم اعتماد أي برنامج قانونيا من قبل البرلمان منذ عام 1977 في حين يشكل موضوع التقاعد مسألة أساسية في البلدان المتقدمة”. وأضاف: “لأوّل مرة في لبنان يتم مناقشة موضوع الحق في التقاعد في كافة أبعاده وذلك بحضور متخصصين من بلدان متعددة يمثلون منظمة العمل الدولية والبنك الدولي ووزارة العمل والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والجامعات والسلطات القضائية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي… كما يجدر الإشارة إلى أن هذا المؤتمر هو أوّل مؤتمر يعقد في لبنان على الصعيد الجامعي والثاني على الصعيد الوطني.”
وأكد رئيس مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في لبنان طوبي زخيا “أن مجلس إدارة الضمان الاجتماعي اطلع خلال العام 2008، على المشروع الذي توصّل إليه بعض الأفرقاء، وهو يشكّل خطوة متقدمة في مجال الحماية الاجتماعية. وهو بخلاف النظام القائم حاليا يؤمن معاشا تقاعديا لمدى الحياة وتغطية صحية بعد بلوغ السن القانونية وتغطية اجتماعية وصحية في حالة العجز. كما رأى أنه خطوة واجبة التطبيق لقانون الضمان الاجتماعي الذي اعتبر، منذ وضعه موضع التنفيذ، إن نظام نهاية الخدمة هو نظام مؤقت ريثما يسن قانون ضمان الشيخوخة”. وختم زخيا مشدّدا على أن “الحق في الضمان الاجتماعي، هو من الحقوق التي نصّت عليها شرعة حقوق الإنسان. وبما أن إنشاء نظام التقاعد والحماية الاجتماعية هو مشروع ضمانة مستقبل اللبنانيين. فلا بد من اجتماع أطراف الإنتاج الثلاثة: الدولة وأصحاب العمل والعمّال، للعمل على وضع كافة التفاصيل والتقنيات الضامنة لوضع نظام يكون على مستوى طموحات اللبنانيين وآمالهم في حياة كريمة”.
أما الخبير الاقتصادي في البنك الدولي غوستافو ديماركو فاعتبر “أن نظام التقاعد في لبنان نظاما مجزأ ويؤدي ذلك إلى انعدام المساواة وإلى حركة عمالة محدودة. وتغطي خدمات هذا النظام جزءا صغيرا من السكان وتهمش معظمه، وبالتالي، يمكننا القول إنه نظام غير مستدام”، مشددا على وجوب “دمج برامج الحماية الاجتماعية فيه. وهنا يقف لبنان أمام ثلاثة خيارات أساسية وهي وضع معدل تعويض للعمال الذين عملوا طوال حياتهم، أو وضع سقف لمعاشات التقاعد أو وضع حدّ أدنى لقيمة الضمانة المتعلقة بمعاشات التقاعد”. ولفت إلى “أنه ليس هناك أي نموذج عالمي ولكن على الخيار أن يحترم المبادئ التالية: على نظام التقاعد أن يكون مستقلا ذاتيا، وعلى نظام التوزيع فيه أن يكون شفافا وتصاعديا، وعليه أن يقلص من الاختلالات الاقتصادية وعلى إدارته أن تكون فعالة”.
كما تحدثت الاختصاصية الإقليمية للضمان الاجتماعي في منظمة العمل الدولية أورسولا كولك التي أكدت “أن لبنان هو أحد الدول القليلة في العالم التي لم تطبق خطة تقاعد تضمن استحقاقات دورية لعمال القطاع الخاص. ولقد كان موضوع إصلاح نظام التقاعد في لبنان موضع مناقشة وأبحاث ومقترحات متعلقة بإصلاح النظام وتقييمه وضمان استمراريته وتطبيقه الفعال”. وقد أوضحت “أن الهدف من ذلك هو استبدال نظام تعويض نهاية الخدمة بنظام تقاعد مصمم بشكل جيّد وقابل للاستمرار. وعلى نظام التقاعد هذا أن يؤمن تقييسا أوتوماتيكيا لمعاشات التقاعد استنادا إلى تغير الأسعار وحفاظا على قدرة المتقاعدين الشرائية. وبعد التوصل إلى نظام التقاعد الجديد، وبغية تأمين التفاعل الصحيح بينه وبين سياسات الحماية الاجتماعية الأخرى، إنه لمن الضروري تضمين هذا النظام في إستراتيجية عمالة وحماية اجتماعية أوسع”.
وكانت كلمة لرئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان روجيه نسناس الذي رأى “أن لبنان ما زال يعيش في ظلّ نظام تعويض نهاية الخدمة الذي وضع في إطار الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في منتصف الستينات. والدولة اللبنانية، بعد محاولات شتّى لم تتمكّن من تغيير هذا النظام. وقد أعطى الوزير سليم جريصاتي، في بداية ولايته، الأولوية إلى مشروع صندوق التقاعد بدعم من منظمة العمل الدولية والبنك الدولي”. وأضاف: “من جهة أخرى، قدّم المجلس الاقتصادي الاجتماعي مشروعًا يقوم على ثلاث ركائز وهي مبدأ التوزيع الذي يستند إلى مساهمة الذين يتقاضون الحدّ الأدنى للأجور، ومساهمة أرباب العمل والعمال والمستفيدين الآخرين الذين تفوق رواتبهم الحدّ الأدنى للأجور بين 3 و6 أضعاف، والركيزة الثالثة هي من مساهمة الأشخاص الذين تفوق رواتبهم فئتي الركيزتين الأولى والثانية”.
أما رئيس المجلس التوجيهي لنظام التقاعد في فرنسا رافاييل أداس ليبيل فشدّد في كلمته على “أن التعاون بين لبنان وفرنسا هو وثيق وتاريخي. واعتبر “أن مهمة المجلس تكمن في توجيه وإنارة الحكومة حول كل الخطوات التي يجب أن تتخذها في ما يخص النظام التقاعدي” مؤكداً “انه على الرغم من الاختلافات العديدة بين لبنان وفرنسا على المستوى النظامي والإداري، فإن البلدين يواجهان تحديات متوازية” .ثم قدّم ليبيل لمحة عن نظام التقاعد في فرنسا الذي يغطي مجمل السكان، شارحا “أنه ملزم وعلى كل عامل الانضمام إليه وهناك العديد من المساهمات التي تموّل هذا التقاعد. وهو يتميز منذ العام 1945 بتعددية ويرتكز على معايير كل مهنة”. ثم قارن بينه وبين النظام اللبناني، معتبرا أن في لبنان هناك آلية مختلفة عن نظام فرنسا، لافتا إلى ضرورة استبدال هذا النظام بآخر أحدث. كما تطرّق ليبيل إلى نقاط التشابه، فلبنان كما فرنسا يواجهان تحدين أساسين الأول من الناحية الديمغرافية والثاني من الناحية الاقتصادية فالأزمة الاقتصادية سنة 2008 ترتبت عنها صعوبات مهمة على مستوى التقاعد. وختم مقترحا 3 شروط لبلورة نظام تقاعدي ناجح: النظرة التقنية، الاتفاق على الأهداف المرجوة لإصلاح هذا النظام، والإرادة السياسية والاستمرارية حيث يجب على الحكومة المسك بزمام الأمور والبدء بالمشروع وتكملته للوصول إلى نظام ناجح يناسب الجميع.
ثم تحدث رئيس جامعة الروح القدس – الكسليك الأب هادي محفوظ فأكد “أن الحق في التقاعد يقع في صلب حقوق الإنسان والحقوق الاجتماعية في الوقت نفسه. ويعود الأمر نفسه لكرامة الإنسان الذي، بعد فترة طويلة من العمل والالتزام في المجتمع، ينبغي أن يتمكن من التنعّم بشعور بالأمان يضمن له حياة كريمة عند الشيخوخة. وهذا الحقّ يسمح له أن يتخطى الاعتماد على أبنائه أو على الخيرية العامة”. وأشار إلى أنه “في منشور “المحبة في الحقيقة”، الذي كرّس الفصل الخامس لموضوع “تعاون العائلة البشرية”، تحدّث البابا بنيدكتوس السادس عشر حول هذه المساهمة التي تحصل في الاتجاهين: الإنسان لتنمية مجتمعه والمجتمع لرفاه المواطنين. ويتحدث البابا أيضًا عن المحرّك الأساس للكرامة البشرية، وبخاصة علاقتها مع عالم الأعمال”. وشدّد الأب محفوظ على “أن الحالة المثالية هنا تتجسّد في مجتمع حيث يعمل الجميع، من دون بطالة وفقر، مع تمتع الجميع بالحق في التقاعد استجابة إلى جميع توصيات منظمة العمل الدولية. نحن نعلم أنّ هذه النظرة هي نظرة طوباوية للأمور في عالم لا ينفكّ يشهد تغيرات اجتماعية واقتصادية، غالبًا ما تكون آثارها ثقيلة. ولكن علينا القول أيضًا أنه ما من شيء مثالي ونحن مدعوون إلى التفكير بجدّ بالكمال في جميع الحقول، بخاصة الحقل الاجتماعي حيث يكون الفكر والتخطيط التعاونيّين والتبادل والمساعدة خميرة للنمو”.
واختتمت الجلسة الافتتاحية بكلمة وزير العمل سليم جريصاتي الذي طرح خلالها موضوع برنامج التقاعد لعمال القطاع الخاص مشيرا إلى “أن تكتل التغيير والإصلاح قدّم مشروع قانون من أجل معالجة هذه الفجوة الكبيرة التي تطال المواطنين وبخاصةٍ متقاعدي القطاع الخاص وتساءل: “من سيهتم بإدارة مدخرات التقاعد أو صندوق استثمار هذه المبالغ؟” مؤكدا “حاولت اللجوء إلى المساعدة الدولية من أجل طرح تعديلات على مشروع القانون بهدف إزالة الحواجز، وتستند هذه التعديلات على توصيات منظمة العمل الدولية والبنك الدولي. ويحترم النص الأساسي للمشروع وتعديلاته مبادئ الأمانة الاجتماعية المعتمدة عالميا بما فيها الممارسات الدولية بالإضافة إلى مبادئ شمولية الحماية المرتكزة على التضامن الاجتماعي وعدم التفرقة بين الرجال والنساء والأخذ بالاعتبار الاحتياجات الخاصة والاندماج الاجتماعي وهي كلها تتماشى مع البحث عن التوازن بين المسؤوليات والمصالح. نضف إلى ذلك مبادئ الإدارة المالية والاستدامة المالية والاقتصادية وتلك المتعلقة بالميزانية والعدالة الاجتماعية والتمسك بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية وسياسات التوظيف والترابط بين المؤسسات المسؤولة عن تأمين خدمات الحماية الاجتماعية واحترام الحرية النقابية”. وأضاف: “ماذا تقترح هذه التعديلات؟ يستند ضمان الشيخوخة على الرواتب المدفوعة للموظفين والعمال والتي تتكدس في الحساب الخاص لكل شخص مضمون ويتم إيداع هذه الأموال مع العائد على الأصول المستثمرة. أما السن المحدد للتقاعد فهو 64 سنة للنساء والرجال وقد يختار الفرد التقاعد المسبق ولكن ليس قبل عمر 55 سنة كما يمكن أن يتقاعد بعد بلوغ الـ64 سنة”. ثم تحدث جريصاتي عن الحد الأدنى للأجور وأجر العجز وأجر الوراثة، وأفاد أنه يجب تحديد جدول من أجل تطبيق النظام الجديد مع حدّ أدنى لا يتخطى السنتين. ورأى “أن تخفيض سن التقاعد يعني أن نظام التعويض سوف يبقى قيد التنفيذ لمدة طويلة، وهو أمر يجب تفاديه كما يجب تحديد رأسمال أساسي للحساب الفردي”. كما ناقش جريصاتي موضوع الشفافية وأهمية بناء العلاقات والمراجعة الحسابية ونوّه بأهمية وضع تقارير سنوية ومراقبة النظام من قبل مدققين خارجيين مؤهلين يعيّنهم مجلس إدارة المؤسسة المسؤولة عن إدارة النظام بالإضافة إلى إجراء دراسات حسابية قبل انطلاق النظام الجديد وتجديدها كل ثلاث سنوات. وختم جريصاتي: “يفرض تطبيق النظام الجديد أحكام جديدة من أجل تطوير القدرة المؤسساتية والمراقبة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وفي حين تدير سلطة مستقلة صندوق التقاعد، سيتولى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إدارة النظام الجديد.”
وفي الختام قدّم الأب محفوظ ميدالية الجامعة للوزير جريصاتي، كما قدم الأب هاشم ميدالية الجامعة لكل من المتحدثين ثم دعي الجميع إلى حفل استقبال.