ولتجري الإنتخابات في موعدها، هناك حاجة لاحترام المهل والأصول الدستورية، وهناك ضرورة لتوافق سياسي يواكب الإجراءات اللوجستية والتحضيرية والقانونية للإستحقاق الإنتخابي، بحيث أنه، وبحسب القانون، كان من الواجب دعوة الهيئات الناخبة قبل العاشر من آذار الماضي، وعلى وسائل الإعلام أن ترسل التعريفات إلى هيئة الإشراف على الإنتخابات قبل 10 أيام من افتتاح الفترة الإنتخابية، والتي تبدأ من تاريخ إمكان الترشيح، أي دعوة الهيئات الناخبة، هذا بالإضافة إلى أن تأليف هيئة الإشراف على الإنتخابات ليس تفصيلاً، إذ تم تحديد فصلين في قانون الإنتخاب يتعلّقان بمهمات هذه الهيئة. ناهيك عن موضوع دعوة الهيئات الناخبة للبنانيين غير المقيمين، أي الذين هم في الخارج.
إذن، من الناحية الإجرائية، فإن عقارب الساعة تسير فعلاً ضد الإستحقاق الإنتخابي. أما سياسياً، فإن لا توافق منظور حتى اللحظة، خصوصاً بعدما عجزت لجنة التواصل النيابية عن التوصّل، ولو إلى الحدّ الأدنى، من الإتفاق بين أعضائها، وذلك على خلفية غياب القرار السياسي بإجراء الإنتخابات النيابية وفقاً لقانون إنتخابي جديد، ورفض عدد كبير من الأفرقاء إجراء الإنتخابات في ظل قانون 1960، الأمر الذي يحتّم إقرار قانون جديد أو تأجيل الإنتخابات.
مرجع وزاري سابق ومعني بنحو مباشر ووثيق بالملف الإنتخابي، وصف المشهد الإنتخابي أنه بمثابة الهروب إلى الأمام لدى جميع الأطراف السياسيين الذين يرفض أي منهم أن يتحمّل بمفرده مسؤولية تأجيل الإنتخابات النيابية، وتسجيل خطوة سلبية في تاريخه. وكشف أن الجميع يعلم أن الإستحقاق قد “أعطانا عمره” وينتظر “النعي”، لكن ما من طرف سياسي يرغب في المبادرة أو المشاركة في كتابة “ورقة النَعوة”، أو حتى جعل الموت رسمياً. وفي انتظار الإتفاق على المخرج لهذه الورقة، يبقى الإستحقاق “جثّة” مرمية من دون أن يصلّي عليها أحد، أو حتى يعلن وفاة الإستحقاق خوفاً من تحمّل مسؤولية المشاركة في “الجريمة”.
وفي رأي هذا المرجع، فإن الصياغة المرتقبة لـ”سيناريو” التأجيل ستحصل عبر آليتين إحداها ساخنة والأخرى باردة، هما بمثابة المخرج الضروري لتأجيل الإنتخابات والتمديد للمجلس النيابي:
ـ الآلية الأولى والحامية قد تتم بإشعال الوضع الأمني عبر حصول حادث أمني ما في منطقة ما، أو عبر انتشار الفوضى في الشارع من خلال الإعتصامات وقطع الطرق وحوادث الخطف مثلاً، خصوصاً أن المكوّنات جاهزة لحصول حادث أمني كبير، من دون أن يكون الوضع الميداني شبيهاً بمرحلة ما قبل 7 أيار من العام 2008، مع العلم أن ما من طرف سياسي كان يتوقّع أحداث 7 أيار وما تبعها من اتفاق في الدوحة.
ـ الآلية الثانية فتتم عبر توافق سياسي، ولو بالحدّ الأدنى، على التمديد لمرحلة زمنية محدّدة مع اقتران القرار بنواة اتفاق على قانون إنتخابي جديد، أو حتى الإتفاق على الخطوط العريضة لهذا القانون.
وأضاف المرجع الوزاري السابق نفسه أنه خارج هذا السيناريو، فإن البلاد تسير نحو الفوضى والفراغ، مؤكداً أنه بات من الضروري الإمساك بالوضع العام من خلال حكومة جديدة تعمل على التوصّل إلى الإتفاق السياسي. وشدّد على أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يمتلك دوراً إيجابياً وفاعلاً في ترجمة النيات المعلنة من القوى السياسية إلى اتفاق ملموس، كذلك فإنه الوحيد القادر على تدوير الزوايا وعلى المبادرة، وهامش تحرّكه يمتدّ إلى منتصف ليل 19 ـ 20 حزيران المقبل. واستدرك المرجع لافتاً إلى أن الأطراف السياسيين المعنيين بالملف الإنتخابي، والذين يعملون وفقاً لمصالحهم الخاصة وليس وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية، قد وصلوا إلى إقتناع راسخ بأن مصلحتهم تقتضي عدم الوصول إلى الفراغ، مع تأجيل الإنتخابات النيابية والتمديد للمجلس النيابي. وكشف أن أي قرار تمديد من دون قانون إنتخابي جديد، سيتعرّض للطعن أمام المجلس الدستوري، ولكن إذا حصل التمديد بقرار يتخذه المجلس النيابي ولم يتقدّم أي طرف بالطعن بهذا التمديد، فهو سيمرّ بلا أي شك.
وفي السياق ذاته، اعتبر المرجع الوزاري السابق أن المجلس النيابي سيد نفسه، وهو قادر، كما الرئيس بري، على التشريع حتى 20 حزيران المقبل، فإذا نجح المجلس في التوصّل إلى إقرار قانون جديد، فإن هذا القانون قادر وبكل بساطة على تغطية التمديد من دون أن يعرّضه لاحقاً للطعن. وأضاف أنه إذا قرّر المجلس النيابي التمديد لنفسه، وبلا قانون، فسيكون الواقع وكأن “الوكيل يمدّد وكالته”، وسيكون عندها أمام المجلس الدستوري ما يكفي من الأسباب للطعن بالتمديد.