أكثرُ من اربعمئةٍ واربعينَ ألف لاجىءٍ سوريٍّ دخل الى لبنان منذ اندلاع أعمال العنف في سوريا بحسب أرقام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين. من هؤلاء من هو موالٍ للنظام ومنهم من هو مؤيِّد للثورة. دخلوا البلاد وتوزعوا على عموم مناطقها فاستقبلهم اللبنانيون على اختلاف أهوائهم بالترحاب وفتحوا لهم بيوتهم ومدارسهم وساحاتِهم، وأمَّنوا لهم احتياجاتِهم الضرورية بما طالت أياديهم.
لكن المسألة تعدَّت مسألة إيواء وإطعام اللاجئين، لتطال بتأثيراتها المتفاقمة على وقع اشتداد المواجهات في سوريا، نواحٍ عديدة من حياتنا العامة.
أولاً طالت الاقتصاد غيرَ المؤهل لتحمل عبء مئات آلاف اللاجئين، وطالت معه سوق العمل المقصِّر عن توفير فرص العمل للبنانيين أنفسهم، كما أنهكت البنى التحتية غير المؤهلة أصلاً لمواكبة التطور العمراني والديموغرافي الداخلي.
ثانياً طالت المستوى السياسي فأربكت التركيبة الطائفية المهيأة كيانياً لتحويل أي واقعة الى سبب لفتنة أو لتعقيدات سياسية إضافية.
ثالثاً طالت الأمن الهشَّ في البلاد خصوصاً وأن جهات خارجية تسعى لاستغلال وجود النازحين السوريين لزعزعة الاستقرار.
والمسؤولية الكبرى في كل ذلك تقع على عاتق الحكومة التي لم تستبق انعكاسات الأزمة السورية خصوصاً لناحية اللجوء الكثيف الى لبنان. فلم تضع خطة متكاملة لاحتواء مشكلة النازحين السوريين بدءاً من إنشاء مخيمات حدودية لهم وتنظيم وجودهم على الأرض اللبنانية، مروراً بتحديد الاحتياجات وأولويَّاتها من الصحة والسكن والتعليم والغذاء الى الأمن والملبس والصرف الصحي والمياه …، وانتهاء بتأمين التمويلين العربي والدولي والمستلزمات اللوجيستية كافة. والحكومة مسؤولة أيضاً عن التقصير بضبط الحدود لوقف التدفق العشوائي وغير المحسوب للاجئين. وهي مسؤولة عن زجّ لبنان في لعبة المحاور الإقليمية مما أثار حفيظة بعض الدول العربية وخصوصاً النفطية فأحجمت عن مساعدة لبنان في مِلف النازحين. الا أن مسؤوليتها الكبرى تبقى في عدم أخذ المبادرة واستلام زمام الأمور في هذا المِلف الحساس وترك المؤسسات الدولية والمحلية تلعب دورها وتأخذ مكانها.
لقد دُقَّ ناقوس الخطر وبات لزاماً علينا الإسراع في تأليف حكومة تتصدى لتفاعلات مِلف اللاجئين السوريين بسرعة وفاعلية، والا فإن هذه المسألة ستكون بوابة عبور الأزمة السورية الى لبنان.
