كل هذه المشاريع باستثناء طرح اللقاء الأرثوذكسي (الملغوم بسبب طرحه مع النظام النسبي) لا تؤمّن صحة التمثيل بل هي تمديد لأزمة قانون الإنتخاب، وتأجيل للبحث في حجم الخلل الناجم عنه، ربما بغية تكريس ثقافة لدى اللبنانيين مفادها أن الخلل في صحة التمثيل حقيقة غير موجودة.
وحدها المشاريع التي تتّسم بالجدية لجهة عدالة ودستورية قانون الإنتخاب غُيّبت، مثل إقتراح الدائرة الفردية واقتراح One Person one vote من ضمن الدوائر الصغرى (أقلّه 47 دائرة)، لأنّ هناك من يضع فيتو على قانون الإنتخاب ولا يقبل حتى بمجرد النقاش به، لأنه إما أمير على جغرافيته، أو خائف من خسارة أكثرية لا تعطي غطاءً لسلاحه، وفي أحسن الأحوال لأن القانون المقترح لا يؤمّن الإجماع الوطني.
فلم يعد هناك من مساحة لمعالجة الخلل، ومن يهتم له أصلاً؟ فأفضل تعويذة يمكن أن يقرّها هذا المجلس لن تؤتِي بأكثر من 50 نائباً بقدرة الصوت المسيحي، وقد بات هذا الواقع أفضل ما يمكن أن يقرّه المجلس في ظل هذه الظروف، مع بقاء احتمال إجراء الانتخابات في ظل قانون 1960 وارداً إذا توافر إمكان إجرائها.
أما ما يدور حول لبنان من مواجهات فهي تتصدّر اهتمامات الجهات المعنية بها، في حين أن لبنان الدولة يكاد يكون الجهة الأكثر تلقياً للنتائج السلبية لهذه المواجهة، وليس خطف المطرانين أخيراً إلّا أحد مظاهرها، التي وإن قيل إنها مجرد رسالة لروسيا الأرثوذكسية عقاباً على وقوفها إلى جانب النظام.
أما انغماس الداخل اللبناني في عمق الأزمة، فقد رتّب انقساماً حاداً بين الطوائف واللبنانيين على حدٍّ سواء لجهة تأييدهم للأطراف السورية المتنازعة، وقد تبلوَر هذا الانقسام مشاركة مباشرة من البعض في هذه الحرب أو الثورة، أو الأزمة، أم حركة تصحيحية مسلّحة، أم Mini مواجهة عالمية على أرض.
فمن يقوى على الحياد ولا يتأثر يكون محظوظاً، أما من أعلن النأي بالنفس ولم يقدر على السير به، فهو لبنان الدولة الضعيفة الهجينة المفكّكة التي تكاد تتقطع أوصالها لأجل هذه الأزمة، لأن ارتباطات الداخل فيها أقوى من وحدة الشعب وسلامة الدولة.
ليس سهلاً القول إنّ هذه الحرب تكاد تبلع لبنان وتجرفه في طريقها، وأمام هذا الحال نسأل أين مصلحة لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات في صراعات مماثلة؟ فإذا طالت الأزمة، ربما نشهد سيناريو مماثلاً لما حصل عندما إستُنزِفت إيران في حربها مع العراق، وإذا كنا أمام سيناريو آخر يشبهه فهل سننزلق أكثر حتى نغرق؟ أم أننا سنعمل على إيجاد مناعة تحمي لبنان؟ مناعة لطالما كانت مفقودة إن لم نقل مستحيلة.